فإن قلت : فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له ؟ فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء . فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة كما أن الترس سبب لرد السهم والماء سبب لخروج النبات من الأرض ، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان فكذلك الدعاء
شرح
( فإن قلت : فما فائدة الدعاء والقضاء لا مردّ له ) . تقرير هذا السؤال أوّلا أن المدعو به إما أن يكون قد قضى اللّه بوقوعه أم لا ، فإن كان الأوّل فهو حاصل وإن لم يدع ، وإن كان الثاني فالدعاء لا يرد القضاء إذ القضاء لا مردّ له ، وهذا هو الذي أشار إليه المصنف . وثانيا فهو سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فأي حاجة للدعاء ؟ وثالثا فالمطلوب بالدعاء أن كان من مصالح الداعي فالحق لا يتركه وإن لم يكن لم يجز قطعا . ورابعا ففي الحديث : جف القلم بما أنت لاق . وقال : أربع فرغ منها العمر والرزق والخلق والخلق ، وحينئذ فأي فائدة للدعاء ؟ وخامسا :
فأجل مقامات الصدّيقين الرضا بقضاء اللّه والدعاء ينافي ذلك ؟ فهذه خمسة أسئلة أوردها المنكرون اقتصر المصنف على واحد منها ، وقد أجاب العلماء عنها بأجوبة أشار المصنف إلى بعضها . وقال :
( فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء ) بمعنى أن اللّه تعالى قدر على من يوقع البلاء به عدم الدعاء ، وقدر على من لم يوقع عليه البلاء وجود الدعاء ، ويشهد لذلك ما أخرجه الترمذي عن ابن أبي خزامة عن أبيه أن رجلا أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أرأيت رقى نسترقي بها ، ودواء نتداوى به ، وتقاة نتقيها . هل ترد من قدر اللّه شيئا ؟ قال : هي من قدر اللّه » قال الحافظ عبد الغني في درر الأثر : حديث حسن ولا يعرف لابن أبي خزامة سواه . وقال الدارقطني في العلل : رواه الزهري عن أبي خزامة بن يعمر عن أبيه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو الصواب . وقال البدر الزركشي في كتاب الأزهية في الأدعية .
وأخرجه الحاكم في المستدرك من جهة معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن حكيم بن حزام قال :
قلت يا رسول اللّه رقى نسترقي بها وأدوية كنا نتداوى بها هل ترد من قدر اللّه شيئا ؟ قال : « هي من قدر اللّه » ثم قال : هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . وقال مسلم في تصنيفه فيما أخطأ معمر بالبصرة أن معمرا حدث به مرتين فقال مرة : عن الزهري عن ابن أبي خزامة عن أبيه . قال الحاكم : وعندي أن هذا لا يعلله ، فقد تابع صالح بن أبي الأخضر معمر بن راشد في حديثه عن الزهري عن عروة ، وصالح وإن كان في الطبقة الثالثة من أصحاب الزهري فقد استشهد بمثله ثم ساقه . ونحو من هذا الجواب ما ورد من أن صلة الرحم زيادة في العمر من أن الزيادة مشروطة في الأزل بالصلة وعدمها بعدمها .
وأشار المصنف إلى الجواب الثاني بقوله : ( والدعاء لرد البلاء واستجلاب الرحمة ) يعني إنا لا نسلم أن الدعاء لا يرد البلاء بل هو سبب في رده ( كما أن الترس ) بالضم معروف من آلة حرب والجمع ترسة وتروس وتراس كفلوس وسهام ، وربما قيل أتراس ، فإن كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب سمي حجفة ودرقة . ( سبب لرد السهم ) عن حامله ، ( و ) كما أن الماء ( سبب لخروج النبات ) من الأرض ، ( وكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان ،