تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
في الغنى والفقر ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ، وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة : اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين . اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به
شرح
( و ) أسألك ( القصد ) أي التوسط ( في الغني والفقر ) وهو الذي ليس معه إسراف ولا تقتير ، فإن الغنى يبسط اليد ويطغى النفس والفقر يكاد أن يكون كفرا ، فالتوسط هو المحبوب المطلوب ، وبعد هذا عند مخرجي الحديث ما نصه : « وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بالقضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، ( و ) أسألك ( لذة النظر إلى وجهك ) قيد النظر باللذة لأن النظر إلى اللّه إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة أو نظر لطف وجمال في الجنة إيذانا بأن المسؤول هذا ، ( والشوق إلى لقائك ) تقدم الكلام عليه قريبا ( وأعوذ بك من ضراء وفتنة مضلة ) تقدم تفسيرهما قريبا ، ( اللهم زينا بزينة الإيمان ) وهي زينة الباطن ولا معول إلا عليها لأن الزينة زينتان زينة البدن وزينة القلب ، وهي أعظمها قدرا وإذا حصلت حصلت زينة البدن على أكمل وجه في العقبى ولما كان كمال العبد في كونه عالما بالحق متبعا معلما لغيره قال : ( اجعلنا مهتدين ) وفي رواية مهديين وصف الهداة بالمهتدين لأنه الهادي إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح كونه هاديا لغيره لأنه يوقع الخلق في الضلال من حيث لا يشعر . وهذا الحديث قد افرد بالشرح . قال العراقي : رواه النسائي والحاكم وقال : صحيح الإسناد من حديث عمار بن ياسر قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يدعو به اه . قلت : ورواه كذلك أحمد وابن حبان في صحيحه وهذا السياق للنسائي ، ورواه الحاكم في المستدرك من حديث عطاء بن السائب عن أبيه وقال : صحيح الإسناد . ( اللهم اقسم لنا من خشيتك ) أي اجعل لنا منها نصيبا وقسما والخشية خوف مقترن بتعظيم ( ما يحول ) أي يحجب ويمنع ( بيننا وبين معصيتك ) وفي رواية معاصيك لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء جميعها عن ارتكاب المعاصي وبقدر قلة الخوف يكون الهجوم على المعاصي ، فإذا قل الخوف واستولت الغفلة كان ذلك من علامة الشقاء ، ومن ثم قالوا : المعاصي بريد الكفر كما أن القبلة بريد الجماع ، والغنى بريد الزنا ، والنظر بريد العشق ، والمرض بريد الموت ، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة بالعقل والبدن والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلا اللّه عز وجل ، ( ومن طاعتك ما تبلغني به جنتك ) وفي نسخة رحمتك أي مع شمولنا برحمتك ، وليست الطاعة وحدها مفيدة كما ورد في الخبر : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته . ( ومن اليقين ) بك وبأنه لاراد لقضائك وقدرك ( ما تهون به ) أي تسهل ( علينا مصائب الدنيا ) بأن نعلم أن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة واستجلاب مثوبة ، وأنه لا يفعل بالعبد شيئا إلا وفيه صلاحه . قال العراقي : رواه الترمذي وقال : حسن ، والنسائي في اليوم والليلة ، والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري من حديث ابن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يختم مجلسه بذلك اه .