تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
رسول اللّه لقد دعا نوح على قومه فقال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] ولو دعوت علينا بمثلها لهلكنا كلنا ، فلقد وطيء ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد اتبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كثرة سنه وطول عمره ، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل ، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا ، ولو لم تؤاكل إلا كفؤا لك ما واكلتنا فلقد واللّه جالستنا ونكحت إلينا وواكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار وأردفت خلفك ووضعت طعامك على الأرض ولعقت أصابعك تواضعا منك صلى اللّه عليك وسلم .
شرح
تذر ) أي لا تترك( عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً )أي ساكن دار ، ( ولو دعوت علينا ) دعوة ( مثلها لهلكنا كلنا ، فلقد وطيء ظهرك ) حين كان يصلي تحت الميزاب ، فأتاه عقبة بن أبي معيط الشقي بسلي جزور ووضعه على ظهره ورقبته ، ( وأدمي وجهك ) بسهم أصابه ( وكسرت رباعيتك ) وهو على وزان الثمانية التي بين الثنية والناب ، والجمع رباعيات بالتخفيف أيضا ، والادماء بالكسر . متفق عليه من حديث سهل بن سعد في غزوة أحد . ( فأبيت أن تقول إلّا خيرا فقلت : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) رواه البيهقي في دلائل النبوّة ، والحديث في الصحيح عن ابن مسعود أنه صلّى اللّه عليه وسلم حكاه عن نبي عن الأنبياء ضرّبه قومه . ( بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد اتبعك في قلة سنيك ) يشير إلى المدة فإنها نحو عشر سنوات كمل فيها الدين وتم نظامه المتين ، ( وقصر عمرك ) وهو ثلاث وستون سنة ( ما لم يتبع نوحا في كثرة سنيه وطول عمره ) وهو ألف سنة إلّا خمسين عاما ، ( ولقد آمن بك ) الكثير في هذه المدة القليلة نحو مائة ألف وأربعة عشر ألفا ، وهذا القدر هو الذي مات عنهم صلّى اللّه عليه وسلم كما قاله أبو زرعة وغيره ، وكان المراد به من حضر ، وأما من غاب فلا يحصيهم إلا الذي خلقهم ، ( وما آمن معه ) أي مع نوح عليه السلام ( إلا قليل . بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لو لم تجالس إلا كفؤا لك ) أي نظيرا أو مشابها ( ما جالستنا ، ولو لم تنكح إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا ولو لم تؤاكل إلا كفؤا لك ما واكلتنا ، فلقد واللّه واكلتنا وجالستنا ونكحت إلينا ) أي كل ذلك تفضلا منه صلّى اللّه عليه وسلم وكرما وحلما . أما المجالسة : فهو صلّى اللّه عليه وسلم كان يجالس أصحابه ويؤانسهم في أغلب الأوقات . وأما المؤاكلة ؛ فكان يؤاكلهم ويلاطف معهم في الأكل . وأما المناكحة ، فقد تزوّج عائشة بنت الصديق وحفصة ابنة عمر رضي اللّه عنهم ، وكل ذلك مشهور في الكتب . ( ولبست الصوف ) رواه أبو داود من حديث سهل بن سعد وابن عساكر من حديث أبي أيوب ، ( وركبت الحمار وأردفت خلفك ) متفق عليه من حديث أسامة بن زيد ، ( ووضعت طعامك بالأرض ) رواه أحمد في الزهد من حديث الحسن مرسلا .