تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
اللّه عنه سمع بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يبكي ويقول : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد كان جذع تخطب الناس عليه ، فلما كثر الناس اتخذت منبرا لتسمعهم فحن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن ، فأمتك كانت أولى بالحنين إليك لما فارقتهم ، بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعل طاعتك طاعته فقال عز وجل : و
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بالذنب فقال تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك
شرح
صنعته ، ولا قال لي لشيء تركته لم تركته ، وكان أحسن الناس خلقا ، وما مسست شيئا قط ألين من كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا شممت ريحا أطيب من ريح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ويروى عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أنه قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعقل البعير ويعلف الناضح ويقم المبيت ويخصف النعل ويرقع الثوب ويحلب الشاة ويأكل مع الخادم ويضحي معها إذا أعيت وكان لا يحمله الحياء أن لا يحمل بضاعته من السوق إلى أهله ، وكان يصافح الغني والفقير ويسلم مبتدئا ، وكان لا يستحي إذا دعي ولا يحتقر ما دعي إليه ولو إلى حشف التمر ، وكان هين المؤنة لين الخلق جميل المعاشرة طلق الوجه بسّاما من غير ضحك متواضعا من غير مذلة جوادا من غير سرف ، رقيق القلب دائم الاطراق رحيما بكل مسلم لم يبشم قط من شبع ولا مدّ يده إلى طمع صلّى اللّه عليه وسلم » . ( ويروى أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه سمع بعد موت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يبكي ويقول : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد كان لك جذع ) بالكسر ساق النخلة ( تخطب الناس عليه ) كان صلّى اللّه عليه وسلم يضع يده الكريمة عليه عند خطبته ، ( فلما كثر الناس اتخذت منبرا ) من خشب الغاية بثلاث درج ( لتسمعهم ) الخطبة ( فحنّ الجذع لفراقك ) حنينا بيّنا سمعه من حضر . والحنين صوت المتألم المشتاق . واللام تعليلية ويصح جعلها وقتية بمعنى عند ( حتى جعلت يدك عليه ) تسكينا له ( فسكن ) فهذا الجذع وهو خشب وقد حنّ ، ( فأمتك أولى بالحنين إليك لما فارقتهم ) . قال العراقي : هو غريب بطوله من حديث عمر وهو معروف من أوجه أخر ، فحديث الجذع متفق عليه من حديث جابر وابن عمر ( بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عند اللّه ان جعلت طاعتك طاعته فقال عز وجلمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) ووعد من خالفه بالعذاب ، ( بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ من فضيلتك عنده ان أخبرك بالعفو عنك قبل أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن أخبرك بالذنب ، فقال عز وجلعَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وهذا فيه تأنيس لخاطره إذ لولا تقدم العفو لانشقت مرارته ، فإن الحبيب لا يتحمل عتاب الحبيب لولا أن يكون ممزوجا بما يؤانسه . ( بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد بلغ