شرح
وأما النتائج فإنها أمامه في الدار الآخرة ولا يلزم من كون الإنسان لم يكشف له في هذا الموطن لأنه ناقص الاستعداد ، وليس له نصيب في هذا الأمر بل يقال أنه عند موته تهيأ محله وكمل استعداده ، ولا فرق بين من كوشف ذلك الوقت في ذلك الموطن وبين من كوشف طول عمره إنما هو تقديم وتأخير ، واللّه أعلم .
الثالثة : قال بعض العارفين لا تذكرني بذكرك فتحجب عني بك ، واذكرني بذكري ، وتحقيق هذا أن ذكرك بك هو أن تذكره للتنزيه أو لمعنى من معاني الذكر وذكرك به هو أن تذكره لكونه أمرك بالذكر ، ولهذا اختار العارفون الذكر المفرد لكونه يعطيك معنى تتفرق بسببه ليكون الذكر تعبدا محضا ، فمتى سبحته للتنزيه أو هللته لنفي الشريك وقصدت هذه المعاني المعقولة من ذلك فقد ذكرته به فتتحقق ، واللّه أعلم .
الرابعة : هذه الأذكار والأوراد التي رتبها المشايخ لمريديهم وعاهدوهم بها فيما يأخذون به أنفسهم ، فاختلف فيه : فمنهم من كره ذلك لأن المريد فيها يبقى بحكم العادة يمر عليها بالطبع والغفلة وقلبه في محل آخر ، وإذا لم يتقيد بها وذكر اللّه تعالى متى وجد لذلك سبيلا في أي وقت كان بحيث يعقل ذلك بحضور وإقبال ، فإنه يجد أثره بحضور همته ووجود عزيمته خلاف الأول .
وأما المعاهدات فلا يأمن متعاطيها وقوع الخيانة والأحسن به أن يأتي ما يأتي بغير معاهدة ويفعل اللّه ما يشاء واللّه أعلم .
الخامسة : اعلم أن الفناء في الوصول أعلى لأن معه يصح التوحيد المجرد ومتى صحبه علمه بأنه موحده والبقاء في السلوك أعلى لأنه يفنى عما سوى المسلوك إليه ، وهو في كل قدم يسلكها أعلى مما بعدها فتحققه بالفناء من غير قدمه التي هو سالكها ، فإذا وكل إلى الحق سبحانه فني فيه لا عنه ، واللّه أعلم .
السادسة : ينبغي للسالك أن لا يحكم على اللّه بشيء ولو بلغ أعلى المراتب وأكملها ، وقال له رضيت عنك رضاي الأكبر ، فبعد هذا كله لا يأمنه ، بل ينبغي أن يعطي الألوهية حقها ولينظر إلى الخبر الذي ورد عن جبريل وإسرافيل عليهما السلام أنهما كانا يبكيان فقال لهما الحق وهو أعلم :
ما الذي يبكيكما ؟ فقالا : خوفا من مكرك . فقال لهما الحق سبحانه : كذلك فكونا ، واللّه أعلم .
السابعة : هل الذاكر يصح له الاقبال على الحاضرين ومكالمتهم ويكون مع ذلك حاضرا في علم الباطن كحضوره في خلوته ؟ فالجواب : لا يصح ذلك لمبتدىء ولا لمنته . ألا ترى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو سيد المرسلين كان إذا أتاه الوحي اشتد عليه إلى أن ينقضي ذلك ، ثم يسري عنه هذا مع كونه كان في خطاب ملكي ، فكيف يكون الاستغراق في خطاب الحق ، لكن المتمكن سريع الأخذ ، فمن اشتغلت عنه وتركت اقباله عليك فلا تعلم أين يكون في وقته ذلك ، فحينئذ يأتيه وارده واللّه أعلم .