تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن ، ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك بل كل ما أشكل فيه على النظّار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها ، فكيف يفي بذلك ترجمة ظاهره
شرح
الفضل المرسي جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها ، ثم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه ، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة واعلامهم مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس حتى قال : لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب اللّه ، ثم ورث عنهم التابعون بإحسان ثم تقاصرت الهمم وفترت العزائم وتضاءل أهل العلم وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه فنوعوا علومه ، وقامت كل طائفة بفن من فنونه منهم القراء والمعربون والمفسرون والأصوليون والكلاميون والفقهاء والفرضيون والصوفية والوعاظ والخطباء والمؤرخون والمعبرون والبيانيون والمؤقتون وغير هؤلاء على تباينهم ، وغير ذلك من الفنون التي أحدثها الإسلامية منه ، وقد احتوى على علوم أخرى من علوم الأوائل مثل الطب والجدل والهيئة والهندسة والجبر والمقابلة والنجامة وغير ذلك ، وفيه أصول للصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها كالخياطة والحدادة والنجارة والغزل والحراثة والغوص والصياغة والزجاجة والتجارة والملاحة والكتابة والخبازة والقصارة والجزارة والبيع والشراء والصباغة والنحت والكيالة والرمي ، وفيه من أسماء الآلات وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات ما تحقق معنى قولهما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍاه كلام المرسي ملخصا . وقال أبو بكر بن العربي في قانون التأويل : وأم العلوم القرآنية ثلاثة توحيد وتذكير وأحكام فالتوحيد يذكر فيه معرفة المخلوقات ومعرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله ، والتذكير منه الوعد والوعيد والجنة والنار وتصفية الظاهر والباطن والأحكام منها التكاليف كلها وتبيين المنافع والمضار والامر والنهي والندب ، ولذلك كانت الفاتحة أم القرآن لأن فيها الأقسام الثلاثة ، وسورة الاخلاص ثلثه لاشتمالها على أحد الأقسام الثلاثة وهو التوحيد . وقال ابن جرير القرآن يشتمل على ثلاثة أشياء التوحيد والاخبار والديانات ، ولهذا كانت سورة الاخلاص ثلثه لأنها تشمل التوحيد كله . قال شيدلة : وعلى أن تلك الثلاثة تشمل سائر الأشياء التي تذكر فيه بل اضعافها فإن القرآن لا يستدرك ولا تحصى عجائبه . ( والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك بل كل ما أشكل على النظار واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ، ففي القرآن إليه رموز ) جلية وخفية ( ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركه ، فكيف يفي بذلك ترجمة ظاهره وتفسيره ) ، ومن أعظم علوم النظر الجدل فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات والنتائج ، والقول بالموجب والمعارضة ، وغير ذلك شيئا كثيرا .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 133 | مرتضى الزبيدي