الجنة ، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت . وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبرىء عن النفس وعدم الالتفات إليها وإلى هواها ، ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف فحيث يتلو آيات الرجاء ويغلب على حاله الاستبشار تنكشف له صورة الجنة فيشاهدها كأنه يراها عيانا وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها ، وذلك لأن كلام اللّه عز وجل يشتمل على السهل اللطيف والشديد العسوف والمرجو والمخوف ، وذلك بحسب أوصافه إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش ، فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلب القلب في اختلاف الحالات ، وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها إذ يستحيل أن يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلفا إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار متكبر لا يبالي وكلام حنّان متعطف لا يهمل .
شرح
( وهذه المكاشفات لا تكون ) ولا تتحقق ( إلا بعد التبرىء عن ) مذمات ( النفس وعدم الالتفات إليها وإلى ثوابها ) وفي نسخة : وإلى هواها ، ( ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف ) على صيغة اسم المفعول ، ( فحيث يتلو آيات الرجاء ) كقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وقوله تعالىلا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ[ الزمر : 53 ] وما أشبه ذلك ( ويغلب على حاله الاستبشار ) والفرح ( تنكشف له صورة الجنة ) وتمثل بين يديه ، ( فيشاهدها كأنه يراها عيانا ) أي معاينة في عالم الشهادة ، ( وان غلب عليه الخوف ) عند تلاوته آيات العذاب ( كوشف بالنار ) فتمثل بين يديه ( حتى يرى أنواع عذابها ) من شعل النار واللهيب والأفاعي ، ( وذلك لأن كلام اللّه عز وجل يشتمل على السهل اللطيف ) الظاهر المعنى ، ( والشديد العسوف ) بما فيه من سوق القهر والتهديد ، ( والمرجوّ والمخوف وذلك بحسب أوصافه إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش ) وبمعاني كلامه تعرف معاني صفاته وأفعاله وأحكامه ومعاني كلامه من معاني أوصافه وأخلاقه ، ( فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلب القلب في اختلاف الحالات ) ما بين رجاء وخوف ، ( وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها ) ومن وجد عنده الاستعداد ولم يطر إلى مشاهدة عالم الملكوت فهو أخس حالا من البهيمة كما تقدم . ( إذ يستحيل ان يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلفا إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام جبار متكبر لا يبالي ) أحدا ، ( وكلام حنان متعطف ) يمهل و ( لا يهمل ) .
وبالجملة ؛ فمن لم يصلح أن يعرفه كعلمه بنفسه لم يصلح ان يعرف كنه كلامه ، فاعلم الخلق بمعاني الكلام أعرفهم بمعاني الصفات ، واعرف العباد بمعاني الأوصاف والاخلاق أعرفهم بسرائر الخطاب .