تعالى :
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
[ الذاريات : 51 ] ، فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره ، وكل ما التفت إليه العبد سوى اللّه تعالى تضمن التفاته شيئا من الشرك الخفي ، بل التوحيد الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا اللّه عز وجل .
العاشر : التبرىء ، وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوّته والالتفات إلى نفسه بعين
شرح
إِلَى اللَّهِ[ الذاريات : 50 ] أي من الخلق أعلم أن التالي إذا كان من أهل العلم باللّه والفهم عنه والسمع من اللّه تعالى والمشاهدة فيشهد ما غاب عن غيره وأبصر ما عمى عنه سواه ، وقد قال تعالى :فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ[ الحاقة : 38 ] وقال تعالى :فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ[ الحشر : 2 ] معناه في الفهم اعبروا إلي فقد ابصرتم فلما أعطاهم الأيدي والأبصار عبروا بقواهم إلى ما أبصروا ، ففروا إلى اللّه عز وجل من الخلق حين ذكروه مما خلق فخرجوا على معيار حسن الابتلاء ولم ينقصهم البلاء شيئا ، فكانوا كما أخبروا كالذي أمر في قوله :وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ[ الذاريات : 49 ، 50 ] ( ولقوله تعالى :وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ )[ الذاريات : 51 ] فكانوا هم الموحدون المخلصون له وكان هو المنفرد المستخلص لهم ، ثم جاوزوا التذكرة بالأشياء إليه فذكروه عنده به ، فحينئذ هربوا إليه منه حين هللوا به فلم يتألهوا إلى سواه كما لم يعبدوا إلا إياه .
قال صاحب القوت : وكذلك رأيتها في مصحف عبد اللّهفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
( فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره وكل ما التفت إليه العبد سوى اللّه تعالى تضمن التفاته شيئا من الشرك الخفي ) الذي هو أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء ، ( بل التوحيد الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا اللّه عز وجل ) وهذا هو المعبر عنه بحقيقة الحقائق ، وأصحاب هذا المقام بعد اتفاقهم على ذلك منهم من كان له هذا الحال عرفانيا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حالا وانتفت عنهم الكثرة واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا اللّه فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم فشطوا وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى ، فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل يشبه الاتحاد وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء ، بل فناء الفناء لأنه فني عن نفسه وفني عن فنائه فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا يعدم شعوره بنفسه ولو شعر بعدم شعوره بنفسه كان قد شعر بنفسه ، وتسمى هذه الحال بالإضافة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا ، واللّه أعلم .
( العاشر : التبرىء واعني ) به ( ان يتبرأ ) أي يظهر البراءة ( من حوله وقوته والالتفات إليه بعين الرضا والتزكية ) ولا يتحقق التولي لمولاه إلا بهذا التبرىء فإنه ما دام يثبت لنفسه حولا