تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
نفسه بعين الرضا صار محجوبا بنفسه ، فإذا جاوز حد الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا اللّه تعالى في قراءته كشف له سر الملكوت . قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه عنه : وعد ابن ثوبان أخا له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد فقال له : وعدتني أنك تفطر عندي فأخلفت ، فقال : لولا ميعادي معك ما أخبرتك بالذي حبسني عنك ! إني لما صليت العتمة قلت : أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت إلى روضة خضراء فيها أنواع الزهر من
شرح
والوصف ويشهد غيره في الذم ، والمقت انقلب قلبه عن وجهة الصادقين وتنكب بقصده عن صراط الخائفين فهلك وأهلك ، فهذا هو المحجوب بنفسه وهلاكه متحقق وإهلاكه لغيره لأنه يرى أنه وصل وما شم رائحة الوصول ، ( فإذا جاوز حد الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا اللّه تعالى في قراءته كشف له سر الملكوت ) وفي نسخة انكشف له الملكوت . قال المصنف في مشكاة الأنوار : « العين عينان ظاهرة وباطنة الظاهرة من عالم الحس والمشاهدة والباطنة من عالم الملكوت ، ولكل عين من العينين شمس ونور عنده تصير كاملة الابصار إحداهما ظاهرة والأخرى باطنة ، والظاهرة من عالم الشهادة وهي الشمس المحسوسة ، والباطنة من عالم الملكوت وهو القرآن ، وكتب اللّه المنزلة ، ومهما انكشف لك هذا انكشافا تاما ، فقد انفتح لك أوّل باب من أبواب الملكوت ، وفي هذا العالم عجائب تستحقر إليها بالإضافة إلى عالم الشهادة ، ومن لم يسافر إلى هذا العالم وقعد به القصور في حضيض عالم الشهادة فهو بهيمة بعد محروم عن خاصية الإنسانية ، بل أضل من البهيمة إذ لم تستعد البهيمة أجنحة الطيران إلى هذا العالم ، ثم قال : فأما العبد فلا تفتح له أبواب الملكوت ولا يصير ملكوتيا إلا وتبدل في حقه الأرض غير الأرض والسماوات ويصير كل ما هو داخل تحت الحس والخيال أرضه ، ومن جملتها السماوات وكل ما ارتفع من الحس سماؤه ، وهذا هو المعراج الأوّل لكل سالك ابتداء سفره إلى قرب الحضرة الربوبية والأنبياء إذا بلغ معراجهم إلى عالم الملكوت ، فقد بلغوا المبلغ الأقصى وأشرفوا على جملة من علوم الغيب ومن اطلع على كنه حقيقته انكشفت له حقائق أمثلة القرآن على يسر واللّه أعلم . ( وقال سليمان بن أبي سليمان الداراني ) رحمه اللّه تعالى : ( وعد ابن ثوبان ) بالثاء المثلثة والموحدة هكذا هو في نسخ الكتاب ، ولعله ابن بويان بضم الموحدة والياء التحتية وهو أبو الحسن محمد بن أحمد بن عثمان بن بويان القارئ رواية خلف بن هشام البزي أحد القراء المشهورين ( أخا له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد فقال له : وعدتني أنك تفطر عندي ) أمس ( فاخلفت ) الموعد ، ( فقال : لولا ميعادي معك ) وفي نسخة : لولا ميعادك ( ما أخبرتك بالذي حبسني عنك إني لما صليت العتمة ) أي العشاء الأخيرة ( قلت : أوتر قبل أن أجيئك لأني ما آمن ) على نفسي ( ما يحدث من الموت ، فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت لي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة ، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت ) هكذا نقله صاحب القوت .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 126 | مرتضى الزبيدي