حتى خرّ مغشيا عليه فلما سري عنه قيل له في ذلك فقال : ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ، ففي مثل هذه الدرجة تعظيم الحلاوة ، ولذة المناجاة . ولذلك قال بعض الحكماء : كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلونه كأني أسمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم جاء اللّه بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به فعندها وجدت له لذة ونعيما لا أصبر عنه . وقال عثمان وحذيفة رضي اللّه عنهما : لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن ، وإنما قالوا ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام . ولذلك قال ثابت البناني : كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة . وبمشاهدة المتكلم دون ما سواه يكون العبد ممتثلا لقوله عز وجل :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
[ الذاريات : 50 ] . ولقوله
شرح
سألوه عن حالة لحقته ) ولفظ القوت عن شيء لحقه ( في الصلاة حتى خر مغشيا عليه ، فلما سرى عنه ) أي كشف عنه وأفاق ( فقيل له في ذلك فقال : ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته ) تعالى ، فكذلك الخصوص يرددون الآية في قلوبهم ويتحققون في مشاهدتهم بمدد من سيدهم حتى يستغرقهم الفهم فيغرقون في بحر العلم ، ( ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ) في التلاوة ( و ) تكثر ( لذة المناجاة ) وينتج الاستغراق ، ( ولذلك قال بعض الحكماء ) وفي القوت وقال بعض العلماء ( كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول صلّى اللّه عليه وسلم يتلوه على أصحابه ) أي قدرت في نفسي ذلك ، ( ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم جاء اللّه تعالى بمنزلة أخرى فأنا الآن اسمعه من المتكلم به عز وجل فعندها وجدت لذة ونعيما لا أصبر عنه ) هكذا ساقه في القوت .
( وقال عثمان ) بن عفان ( وحذيفة ) بن اليمان رضي اللّه عنهما : ( لو طهرت القلوب ) أي عن دنس الأغطية ( لم تشبع من قراءة القرآن ) كذا نقله صاحب القوت ، ( وإنما قالا ذلك لأنها بالطهارة ) القلبية ( ترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام ) ومعاينة أخلاقه في صفاته ، ( ولذلك قال ثابت البناني : كابدت القرآن عشرين سنة ) أي جاهدت نفسي في تحصيله على أعلى الدرجات ، ( وتنعمت به عشرين سنة ) نقله صاحب القوت .
وفي الحلية لأبي نعيم حدثنا عبد اللّه بن محمد ، حدثنا أحمد بن الحسين ، حدثنا أحمد بن إبراهيم ابن كثير ، حدثني محمد بن مالك ، حدثنا عمرو بن محمد بن أبي رزين قال : قال ثابت كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة .
( وبمشاهدة المتكلم ) في كلامه ( دون ما سواه يكون العبد ممتثلا لقوله عز وجلفَفِرُّوا