تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
[ الأنفال : 2 ] ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى اللّه تعالى » .
شرح
قلت : وكذلك رواه أحمد ، والنسائي ، ورواه مسلم أيضا والطبراني عن أبي بكر ، ورواه النسائي أيضا عن معاذ بن جبل . ومعنى الحديث : دوموا على قراءته ما دامت قلوبكم تألف القراءة بنشاط وخواطركم مجموعة ، فإذا صارت قلوبكم في فكرة شيء سوى قراءتكم وحصلت القراءة بألسنتكم مع غيبة قلوبكم فلا تفهمون ما تقرأون فاتركوه إلى وقت تعودون في محبة قراءته إلى الحالة الأولى ، فإنه أعظم من قراءته بغير حضور قلب فان الاختلاف في القرآن يؤدي إلى الجدال والجدال إلى الجحد وتلبيس الحق بالباطل . وقوله : « ولانت جلودكم » ليس عند الجماعة وهو مواطىء لقوله تعالى :ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[ الزمر : 23 ] وهو كناية عن الخشية والإذعان لقبول ما يرد عليه من آثار الفهم ، فإذا صفا القلب بنور اليقين وأيد العقل التوفيق والتمكين وتجرد الهم من تعلق بخلق وتألف السر بالعكوف على الخالق وخلت النفس من الهوى سرت الروح فجالت في الملكوت الأعلى كشف للقلب بنور اليقين الثابت ملكوت العرش عن معاني صفات موصوف ، وأحكام خلاق ومألوف ، وباطن أسماء معروف وغرائب علم رحيم رؤوف ، فشهد عن الكشف أوصاف ما عرف ، فقام حينئذ بشهادة ما عرف ، فكان ممن ( قال اللّه تعالى ) :يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ[ البقرة : 121 ] وممن قال اللّه تعالى :( إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً )أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا[ الأنفال : 2 - 4 ] لأنه إذا أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه من معناه حقيقة من مشاهدة ، وكانت تلاوته عن شهادة ، وكان مزيده من معنى تلاوته . وكان ذلك على معيار حقيقة من إيمانه ، فيكون العبد يوصف من نعت بالحضور والإنذار ، وخص بالمزيد والاستبشار في قوله :فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ[ الأحقاف : 29 ] ومن قوله تعالى :فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[ التوبة : 124 ] ويكون بنعت من مدحه بالعلم وأثنى عليه بالرجاء ووصفه بالخوف في قوله تعالى :يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[ الزمر : 9 ] . ثم إن أعلم الخلق بمعاني الكلام أعرفهم بمعاني الصفات ، وأعرف العباد بمعاني الأوصاف والأخلاق وغامضات الأحكام أعرفهم بسرائر الخطاب ووجه الحروف ومعاني باطن الكلام ، وأحقهم بذلك أخشاهم له وأخشاهم له أقربهم منه وأقربهم منه من خصه باثرته وشمله بعنايته . ( و ) قد ( قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى اللّه تعالى » ) ولا يخشاه حتى يعرفه ولا يعرفه حتى يعامله ولا يعامله حتى يقربه ولا يقربه حتى يعنى فيه وينظر إليه ، فعندها عرف سر الخطاب واطلع على باطن الكتاب .