تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
[ الممتحنة : 4 ] ، ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيا ، وإذا قال :
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا
[ إبراهيم : 12 ] ، فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة ، فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى :
أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
[ هود : 18 ] وفي قوله تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 3 ] وفي قوله عز وجل :
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
[ الأنبياء : 1 ] ، وفي قوله :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
[ النجم : 29 ] ، وفي قوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
[ الحجرات : 11 ]
شرح
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[ الممتحنة : 4 ] ولم يكن حاله التوكل والإنابة ) والتفويض إلى اللّه في سائر أموره ( كان حاكيا ) لفظ التلاوة . ( وإذا قال :وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا[ إبراهيم : 12 ] فليكن حاله حالة الصبر ) على أذى المخالفين ، ( أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة ) فيما يتلوه ، ( فإن لم يكن بهذه الصفات ) متصفا ( ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات ) من الخوف والتوكل والإنابة ( كان حظه من التلاوة حركة اللسان ) فقط وهو غير مجد منها ( مع صريح اللعن على نفسه في قوله :أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [ هود : 18 ] وهو ظالم لنفسه أو على غيره ( وفي قوله تعالى :كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ) [ الصف : 3 ] وهو يقول ما لا يفعل فيمقت بذلك عند اللّه والمقت أشد الغضب . ( وفي قوله تعالى :وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) [ الأنبياء : 1 ] وهذه الغفلة عن ذكر اللّه والإعراض عنه بما سواه . ( وفي قوله تعالى :فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) [ النجم : 29 ] وعنده التولي عن ذكر اللّه وحب المال والجاه . ( وفي قوله تعالى :وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [ الحجرات ، 11 ] وهو لا يتوب وليست له عزيمة عليه ( إلى غير ذلك من الآيات ) الواردة في ذلك فلولا أنه يكون هو الخائف لليوم العظيم وهو المتوكل المنيب وهو الصابر على الأذى والمتوكل على المولى ، وإلا كان مخبرا عن قائل قاله فلا يجد حلاوة ذلك ولا ميراثه ، فإذا كان كذلك وجد حلاوة التلاوة وتحقق بحسن الولاية وإذا تلا الآي المذموم أهلها الممقوت فاعلها من التولي والظلم وحب الدنيا فما أقبح أن يعيب ذلك وهو من أهله ، وما أعظم أن يذم أهل ذلك وهو بوصفه ، فهذا من حجج القرآن عليه فلا يجد مع ذلك حلاوة المناجاة ، ولا يسمع خطاب المتناجى لأن وصفه المذموم قد حجبه وهو المردي ، وعن حقيقة الفهم قد حرمه ولأن قسوة قلبه عن الفهم صرفه وكذبه في حاله عن البيان أحرمه ، فإذا كان هو المتيقظ المقبل وهو التائب الصادق سمع فصل الخطاب ، ونظر إلى الداعي وله استجاب . والتالي إذا خالف هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو والغفلة والعماء والحيرة محادثا لنفسه مصغيا إلى هواه ووسوسة عدوه ومتوهما للظنون عاكفا على الأماني .