للقلوب ولا أشد استجلابا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت . وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح . وعند ذكر اللّه وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته . وعند ذكر الكفار ما يستحيل على اللّه عز وجل كذكرهم للّه عز وجل ولدا وصاحبة يغض صوته وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم ، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقا إليها . وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها ، ولما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لابن مسعود : « اقرأ عليّ قال :
فافتتحت سورة النساء فلما بلغت
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] رأيت عينيه تذرفان بالدمع . فقال لي : حسبك الآن » .
شرح
نجد شيئا أرق للقلوب ولا أشد استجلابا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره ) .
قال أبو نعيم في الحلية : أخبرنا علي بن يعقوب بن أبي العقب في كتابه ، وحدثني عنه عثمان بن محمد قال : حدثنا جعفر بن أحمد بن عاصم ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري ، حدثنا أبو علي صاحب القاضي ، عن عبد اللّه بن المبارك ، عن وهيب بن الورد قال : نظرنا في هذا الحديث فلم نجد شيئا أرق لهذه القلوب ، ولا أشد استجلابا للحق من قراءة القرآن لمن تدبره .
( فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة فعند ) ذكر ( الوعيد ) والزجر والتهديد ، ( وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل ) أي يحتقر ويتصاغر ( من خيفة كأنه يكاد يموت ) ، ويغلب عليه الحزن والكآبة ، ( وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر ) ويفرح ( كأنه يطير من الفرح ) والاستبشار بما أعد اللّه له من النعيم ، ( وعند ذكر اللّه تعالى وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا ) وتذللا ( لجلاله ) وهيبته ( واستشعارا لعظمته ) وكبريائه ، ( وعند ذكر الكفار ما يستحيل على اللّه عز وجل كذكرهم للّه عز وجل ولدا وصاحبة يغض صوته ) قليلا عن عادته المستمرة ، ( وينكسر في باطنه حياء من قبح مقالتهم ) ونسبتهم إليه عز وجل ما لا يليق بذاته المقدسة كل ذلك تأدبا في المقام وإجلالا للملك العلام ، ( وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقا لها ) وإلى ما أعد اللّه فيها لأهلها من النعيم المقيم ، ( وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها ) وهيبة مما فيها من العذاب المقيم لأهلها .
( ولما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لابن مسعود ) رضي اللّه عنه ( « اقرأ علي » ) قال اقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال : « إني أحب أن أسمعه من غيري » قال : ( فافتتحت سورة النساء فلما بلغت ) قوله تعالى : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً[ النساء : 41 ] رأيت عينيه تذرفان ) أي تفيضان ( بالدمع فقال لي : « حسبك الآن » ) أي