أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور ، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك ، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود ، وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأمته . ولذلك قال تعالى :
ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
[ هود : 120 ] فليقدر العبد أن اللّه ثبت فؤاده بما يقصه فيه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر اللّه تعالى . وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لرسول اللّه خاصة ، بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين ، ولذلك أمر اللّه تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ
شرح
سمع أمرا ونهيا قدر أنه المنهي والمأمور ) وأن الخطاب بكل منهما متوجه إليه ( وإن سمع وعدا ) بالثواب ( أو وعيدا ) بالعقاب ، ( فكمثل ذلك ) في التقدير والشهود ، ( وإن سمع قصص الأوّلين ) من السالفين ( والأنبياء ) عليهم السلام ( علم ) وتحقق ( ان السمر ) بحكاياتهم فقط ( غير مقصود ) لذاته ، ( وإنما المقصود ) الأعظم من ذلك ( ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ) من الأحوال التي يعتبر بها ( ما يحتاج إليه ) في اتخاذه عبرة وتذكرة ، ( فما من قصة ) سيقت ( في القرآن إلا وسياقها لفائدة ) متجددة ( في حق النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، و ) في حق ( أمته ) ولو تكررت القصة ، ولذا جاء سياقها على انحاء مختلفة ففي التكرار تثبيت لليقين في القلوب ( ولذلك قال تعالى ) مخاطبا لحبيبه صلّى اللّه عليه وسلموَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ( ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) [ هود : 12 ] وثبات الفؤاد إنما يكون بمزيد اليقين فيه ، ( فليقدر العبد ) التالي ( أن اللّه تعالى ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء ) عليهم السلام ، ( وصبرهم على الأذى ) من المحجوبين عن نور اليقين ، ( وثباتهم في ) نصرة الحق واعلاء كلمة ( الدين لانتظار نصر اللّه تعالى ) إياهم بموجب وعده جل وعز إنّا لننصر رسلنا ، ( وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) وحده ( خاصة بل هو شفاء ) لجهل أمراض القلوب ، ( وهدى ) يهتدي به السارون ، ( ورحمة ) عامة أفيضت على المقتبسين من أنواره ( ونور ) ظاهر ( للعالمين ) .
قال المصنف في مشكاة الأنوار : اعلم أن أعظم الحكم كلام اللّه تعالى ، ومن جملة كلامه القرآن خاصة فتكون منزلة آيات القرآن عند عين العقل منزلة نور الشمس عند العين الظاهرة ، إذ به يتم الابصار ، فبالحري ان يسمى القراءة نورا كما يسمى نور الشمس نورا ، فمثال القرآن نور الشمس ، ومثال العقل نور العين ، وبهذا يفهم معنى قوله تعالى :فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا[ التغابن : 8 ] وقوله تعالى :قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً[ النساء :
174 ] اه .
( ولذلك أمر اللّه تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب ) وأردفه بالحكمة لما كانت المبصرات