يخرجه من جنس قوته أو من أفضل منه ؛ فإن اقتات بالحنطة لم يجز الشعير ، وإن اقتات حبوبا مختلفة اختار خيرها ومن أيها أخرج أجزأه . وقسمتها كقسمة زكاة الأموال
شرح
الزكاة وصاع الغسل مختلفان ، وأن قدر ما يغسل به كان مختلفا باختلاف الاستعمال قال : فلا معنى لترك الأحاديث الصحيحة في قدر الصاع المعدّ لزكاة الفطر اه .
ولم يذكروا حديثا واحدا فيه تعيين قدر الصاع المعد لزكاة الفطر وأنه خمسة أرطال وثلث فتأمل وانصف . والجماعة الذين أخبروا مالكا بالصاع لا تقوم بهم حجة لكونهم مجهولين نقلوا عن مجهولين مثلهم ، وربما احتج أهل المقالة الأولى بما رواه ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي هريرة قال ، قيل يا رسول اللّه : صاعنا أصغر الصيعان ومدنا أكبر الأمداد ، فقال : « اللهم بارك لنا في صاعنا وبارك لنا في قليلنا وكثيرنا واجعل لنا مع البركة بركتين » أي وخمسة أرطال وثلث أصغر من الثمانية ، وهذا ليس فيه دلالة على ما قالوا ، وإنما يثبت أنه أصغر ، وجاز أن يكون ثمانية أرطال أصغر الصيعان ، بل هو الظاهر لأنهم كانوا يستعملون الصاع الهاشمي وهو أكبر من الحجاجي لأن الهاشمي اثنان وثلاثون رطلا .
تنبيه آخر :
وبعض علمائنا قد رفع الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف فقال : وجد أبو يوسف الصاع خمسة أرطال وثلثا برطل المدينة ، وأبو حنيفة يقول : الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي وهي تعدل خمسة أرطال وثلثا بالمدني لأن الرطل المدني ثلاثون إستارا والبغدادي عشرون استارا . والإستار :
بالكسر ستة دراهم ونصف ، وإذا قابلت ثمانية أرطال بالبغدادي بخمسة أرطال وثلث بالمدني وجدتها سواء . أعني ألفا وأربعين درهما قال الزيلعي : وهذا أشبه لأن محمدا لم يذكر في المسألة خلاف أبي يوسف ولو كان فيها خلاف لذكره وهو أعرف بمذهبه اه .
وردّه في الينابيع بأن الخلاف ثابت بينهم في الحقيقة اه .
وقال بعض معاصري شيوخ مشايخنا ما نصه : تمام هذا الكلام يحتاج إلى اثبات نفي ما تقدم من أن أبا يوسف حرره بالرطل المدني وهو أكثر من الرطل البغدادي ، وإلى نفي ما قالوه من أن الرطل كان في زمن أبي حنيفة عشرين إستارا وزاد في عصر أبي يوسف فصار ثلاثين إستارا ، فالرطل في زمن أبي حنيفة كان مائة وثلاثين درهما ، وفي زمن أبي يوسف مائة وخمسة وتسعين درهما ، فإذا قابلتهما تجد كل واحد منهما ألفا وأربعين درهما ، واللّه أعلم .
ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( من جنس قوته ) الذي يقتاته ( أو أفضل منه ، فإن اقتات بالحنطة لم يجز الشعير ، وإن اقتات حبوبا مختلفة اختار خيرها ومن أيها أخرج أجزأه ) .
قال الرافعي في الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه . أصحها : عند الجمهور غالب قوت البلد ، والثاني قوت نفسه ، وصححه ابن عبدان والثالث : يتخير في الأجناس وهو الأصح عند