السائحين فقال : « هم الصائمون » فأنعم اللّه عز وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى ، ونصبه مقصدا لعباده وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره ، وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه ، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره . ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوّار من كل فج عميق ، ومن كل أوب سحيق شعثا غبرا متواضعين لرب البيت ومستكنين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته . مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم وأتم في إذعانهم وانقيادهم ، ولذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار ، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار . وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية . فإن الزكاة إرفاق ووجهه مفهوم وللعقل إليه ميل . والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدوّ اللّه وتفرغ للعبادة وبالكف عن الشواغل . والركوع والسجود
شرح
( وسئل صلّى اللّه عليه وسلم عن ) معنى ( السائحين ) في الآية ( فقال « هم الصائمون » ) رواه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة ، وقال : المحفوظ عن عبيد بن عمير عن عمر مرسلا هكذا قاله العراقي ، ووجدت بخط الحافظ ابن حجر على هامش نسخة المغني ما نصه : لعله موقوف . ( فأنعم اللّه عز وجل على هذه الأمة ) المرحومة ( بأن جعل ) الخروج إلى ( الحج رهبانية لهم ) أي بمنزلتها لما في كل منهما قطع المألوفات والمستلذات من سائر الأنواع ، ( فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه ) إذ سماه بيت اللّه ، ( ونصبه مقصدا لعباده ) يقصدونه من كل جهات ، ( وجعل ما حواليه حرما لبيته ) بالحدود المعلومة ( تفخيما لأمره ) وتعظيما لشأنه ، ( وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه وأكد حرمة المواضع بتحريم صيده ) البري ، ( وقطع شجره ووضعه على مثال حضرة الملوك ) في الدنيا ( يقصده الزوّار ) والوفاد ( من كل فج عميق ومن كل أوب سحيق ) أي بعيد ، ( شعثاء غبراء ) جمع أشعث وأغبر ( متواضعين لرب البيت ومستكنين له ) أي متذللين ( خضوعا لجلاله واستكانه لعزته مع الاعتراف بتنزهه ) وتقدسه ( عن أن يحويه بيت أو يكنفه بلد ) تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، ( فيكون ذلك أبلغ في رقهم و ) آكد في ( عبوديتهم ) وذلّهم ، ( وأتم لإذعانهم وانقيادهم ، ولذلك وظف عليهم ) وقرر ( فيها أعمالا ) غريبة المعنى ( لا تأنس بها النفوس ) البشرية ولا تألفها ( ولا تهتدي إلى معانيها العقول ) القاصرة عن إدارك المعاني الغريبة ، ( كرمي الجمار ) الثلاث ، ( والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار ) وغيرهما ، ( وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق و ) تمام ( العبودية ) والذل ، ( فإن الزكاة إنفاق ارفاق ) أي بذل ما فيه الرفق لفقراء المسلمين ( ووجه مفهوم ) عند التأويل ( وللعقل إليه سبيل ) والفة وإيناس ، ( والصوم فيه كسر الشهوة التي هي آلة الشيطان عدو اللّه عز وجل ) ونصب حبالاته وذلك