إلى قلل الجبال وآثروا التوحش عن الخلق لطلب الأنس باللّه عز وجل ، فتركوا للّه عز وجل اللذات الحاضرة وألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقة طمعا في الآخرة ، وأثنى اللّه عز وجل عليهم في كتابه فقال :
ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ
[ الحديد : 27 ] فلما اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتباع الشهوات وهجروا التهجد لعبادة اللّه عز وجل وفتروا عنه بعث اللّه عز وجل نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لإحياء طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها . فسأله أهل الملل عن الرهبانية والسياحة في دينه فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أبدلنا اللّه بها الجهاد والتكبير على كل شرف » يعني الحج . وسئل صلّى اللّه عليه وسلم عن
شرح
الرهبانية من الرهبة وهو الخوف ، وقد ترهب الراهب انقطع للعبادة ( من الملل السالفة ) أي الأمم الماضية ( عن ) معاشرة ( الخلق وانحازوا ) أي لجأوا ( إلى قلل الجبال ) أي رؤوسها لئلا يعلم مكانهم ، ( وآثروا ) أي اختاروا ( التوحش عن الخلق لطلب الأنس باللّه عز وجل فتركوا للّه عز وجل ) أي لأجله ( اللذات الحاضرة ) العاجلة ، ( وألزموا أنفسهم المجاهدات الشاقة ) الشديدة على النفس من ترك الأكل والشرب والملابس الفاخرة ، ( طمعا في الآخرة فأثنى اللّه عز وجل عليهم في كتابه ) العزيز ( فقالذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ )[ المائدة : 82 ] ومدحهم اللّه تعالى على الرهبانية ابتداء فقالوَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها[ الحديد : 27 ] ثم ذمهم على ترك شرطها بقولهفَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها[ الحديد :
27 ] لأن كفرهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم أحبطها . ( فلما اندرس ذلك ) ومحي رسمه ( وأقبل الخلق على اتباع الشهوات ) النفسانية ، ( وهجروا التجرد لعبادة اللّه تعالى وفتروا عن ذلك ) وتكاسلت هممهم ( بعث اللّه عز وجل محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لإحياء ) ما اندرس من ( طريق الآخرة وتجديد سنة المرسلين في سلوكها ) ودخل الناس في دينه أفواجا من كل طرف ، ( فسأله أهل الملل ) ممن أسلم منهم ( عن السياحة ) في الشعاب والجبال ، ( والرهبانية في دينه فقال صلّى اللّه عليه وسلم « أبدلنا اللّه بها الجهاد والتكبير على كل شرف » ) أي مرتفع من الأرض ( يعني ) بالجهاد ( الحج ) رواه أبو داود من حديث أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول اللّه ائذن لي في السياحة . فقال : « إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه » .
رواه الطبراني بلفظ « إن لكل أمة سياحة وسياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه ولكل أمة رهبانية ورهبانية أمتي الرباط في نحر العدو » .
وللبيهقي في الشعب من حديث أنس « رهبانية أمتي الجهاد في سبيل اللّه » وكلاهما ضعيف .
وللترمذي وحسنه ، والنسائي في اليوم والليلة ، وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول اللّه : إني أريد أن أسافر فأوصني . فقال « عليك بتقوى اللّه والتكبير على كل شرف » وهذا قد تقدم قريبا .