مكة ، ثم استتمام الأفعال كما سبق . وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر وتنبيه للمريد الصادق وتعريف وإشارة للفطن . فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها وعرفت أسبابها انكشف لكل حاج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه وطهارة باطنه وغزارة فهمه .
أما الفهم : اعلم أنه لا وصول إلى اللّه سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات فيها والتجرد للّه سبحانه في جميع الحركات والسكنات . ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق وانحازوا
شرح
مكة والمراد باليمن بعضه وهو تهامة منه خاصة ، وأما أهل نجد اليمن فميقاتهم قرن .
وبقي ميقات خامس لم يتعرض له في حديث ابن عمر وهو ذات عرق ميقات أهل العراق بينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلا . وهذا الميقات مجمع عليه .
وحكى ابن حزم عن قوم أنهم قالوا : ميقات أهل العراق العقيق ، وعند أبي داود من حديث ابن عباس مرفوعا « وقت لأهل المشرق العقيق وسكت عليه » وحسنه الترمذي ، ثم اختلفوا هل صادف ذلك ميقاتا لهم بتوقيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ؟ وفي ذلك خلاف لأصحاب الشافعي حكاه الرافعي والنووي وجهين ، وحكاه القاضي أبو الطيب قولين .
المشهور منهما من نص الشافعي أنه باجتهاد عمر ، وهو الذي ذكره المالكية ، والذي عليه أكثر الشافعية أنه منصوص ، وهو مذهب الحنفية . وهنا تحقيق آخر أودعته في كتابي الجواهر المنيفة في أصول أدلة مذهب أبي حنيفة فإني قد وسعت هناك الكلام في هذه المسألة فراجعه .
( ثم دخول مكة ) محرما ملبيا ( ثم استتمام ) باقي ( الأفعال كما سبق ) بيانه . ( وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر وعبرة ) تامة ( للمعتبر وتنبيه ) واضح ( للمريد الصادق ) وإرادته ( وتعريف ) ظاهر ، ( وإشارة ) باهرة ( للفطن ) العاقل ، ( فلنرمز ) أي نذكر بطريق الرمز والتلويح ( إلى أطرافها حتى إذا انفتح بابها ) ورفع حجابها ( وعرفت أسبابها ) لأربابها ، ( وانكشف لكل حاج ) لبيت ربه ( من أسرارها ) وخفي معانيها ( ما يقتضيه صفاء قلبه ) من كدورات السوء ( وطهارة باطنه ) عن خبث الغيرية ( وغزارة علمه ) في المدارك الفيضية فنقول :
( أما الفهم ) : وهو أول الأمور ( فاعلم أنه لا وصول إلى حضرة اللّه سبحانه وتعالى إلا بالتنزه ) والتباعد ( عن ) ملابسة ( الشهوات ) النفسية والكونية ، ( والكف عن اللذات ) الحسية ، ( والاقتصار على الضرورات فيها ) أي ما لا بد له عنها ، ( والتجرد إلى اللّه تعالى ) عن كونه ( في جميع الحركات والسكنات ) واللحظات والإرادات ، ( ولأجل هذا انفرد الرهابين ) جمع راهب والمشهور رهباني ، وقيل : الرهابين جمع الجمع وهم عباد النصارى ، والاسم