إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 697
الجملة التاسعة في طواف الوداع : قال العراقي : قال ابن القطان : سلم منه ، فإن الخطيب قال فيه كان صدوقا . قال ابن القطان : لكن الراوي عنه مجهول وهو محمد بن هشام المروزي اه . قلت : قال الذهبي في ترجمة الجارودي إن محمد بن هشام هذا معروف موثق يقال له ابن أبي الدميك ، وبخط الحافظ ابن حجر ومحمد بن هشام لا بأس به لكنه شذّ ، والمحفوظ مرسل . كذا رواه الحميدي وغيره عن سفيان . وقال في تخريج الرافعي والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة فقد رواه حفاظ أصحاب ابن عيينة الحميدي وابن أبي عمر وغيرهما عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله . ومما يقوي رواية ابن عيينة ما أخرجه الدينوري في المجالسة من طريق الحميدي قال : كنا عند ابن عيينة فجاء رجل فقال : يا أبا محمد الحديث الذي حدثتنا عن ماء زمزم صحيح ؟ قال : نعم . قال : فإني شربته الآن لتحدثني مائة حديث ، فقال : اجلس فحدثه مائة حديث ، واللّه أعلم . الجملة التاسعة في طواف الوداع : اعلم أن طواف الوداع ثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فعلا وقولا ، أما الفعل فظاهر من الأحاديث ، وأما القول فنحو ما روي عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت إلا أنه رخص للحائض » كما في الصحيحين ، ولفظ مسلم : « خفف » بدل « رخص » وللبخاري : « رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت » ومضمون هذه الجملة صور نشرحها . إحداها : ذكر الإمام في النهاية أن طواف الوداع من مناسك الحج وليس على الخارج من مكة وداع لخروجه منها ، وتابعه المصنف في الوجيز وهنا ، فقال في الوجيز وهو مشروع إذا لم يبق شغل وتم التحلل فخصه بحال تمام التحلل ، وذلك إنما يكون في حق الحاج ، وصرّح من بعد فقال : ولا يجب على غير الحاج وقال : هنا بعد الفراغ من إتمام الحج والعمرة - كما سيأتي - لكن صاحب التهذيب والتتمة وغيرهما أوردوا أن طواف الوداع ليس من جملة المناسك حتى يؤمر به من أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر ، سواء كان مكيا يريد سفرا أو آفاقيا يريد الرجوع إلى أهله ، وهذا أقرب وتشبها لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله للإحرام ، ولأنهم اتفقوا على أن المكي إذا حج وهو على عزم أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطواف الوداع ، وكذا الآفاقي إذا حج وأراد المقام بها ، ولو كان من جملة المناسك لأشبه أن يعم الحجيج . وعن أبي حنيفة : أن الآفاقي إن نوى الإقامة بعد النفر لم يسقط عنه الوداع . وقال النووي في زيادات الروضة : ومما يستدل به من السنّة لكونه ليس من المناسك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا » . ووجه الدلالة