حتى يقال لا يصوم وينام حتى يقال لا يقوم ويقوم حتى يقال لا ينام » . وكان ذلك بحسب ما ينكشف له بنور النبوّة من القيام بحقوق الأوقات . وقد كره العلماء أن يوالي بين الإفطار أكثر من أربعة أيام تقديرا بيوم العيد وأيام التشريق ، وذكروا أن ذلك يقسي القلب ويولد رديء العادات ويفتح أبواب الشهوات . ولعمري هو كذلك في حق أكثر الخلق لا سيما من يأكل في اليوم والليلة مرتين . فهذا ما أردنا ذكره من ترتيب الصوم المتطوع به . واللّه أعلم بالصواب .
شرح
ورواه البخاري من حديث أنس قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يفطر من الشهر حتى يظن أنه لا يصوم منه شيئا ويصوم حتى يظن أنه لا يفطر منه شيئا » .
وأما قوله : ( « وينام حتى يقال لا يقوم ويقوم حتى يقال لا ينام » ) . فمعناه في حديث حميد عند البخاري قال : سألت أنسا عن صيام النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائما إلا رأيته ولا مفطرا إلا رأيته ولا من الليل قائما إلا رأيته ولا نائما إلا رأيته » .
( وكان ذلك بحسب ما ينكشف له ) صلّى اللّه عليه وسلم ( بنور النبوّة من القيام بحقوق الأوقات ، وقد كره بعض العلماء ) من أهل اللّه ( أن يوالي ) المريد ( بين الإفطار أكثر من أربعة أيام ) ، وذلك ( تقديرا ) له ( بيوم العيد وأيام التشريق ) . إذ أباح اللّه فيها الفطر . ( وذكروا أن ذلك ) أي الموالاة بأكثر من ذلك مما ( يقسي القلب ) أي يورثه قساوة وغلظة ، ( ويولد رديء العادات ) في الانهماك ، ( ويفتح أبواب الشهوات ) الخفية والظاهرة . ( ولعمري هو كذلك في حق أكثر الخلق ) فقد قست قلوبهم ، وحجبوا عن أنوار المعرفة ، ونقصت عزائمهم لعدم اعتيادهم على الصوم وإرخاء العنان للشهوات من كل وجه . ( لا سيما من يأكل في اليوم والليلة مرتين ) . فهذا أعظم باعث على توليد العادات الرديئة في القلوب ، فإذا بلي المريد بهذه العادات ولم ينبهه أحد فليتنبه وليجهد أن يجعل غذاءه في اليوم والليلة ، مرة واحدة في أي وقت شاء .
والأولى له إن كان صائما بعد المغرب وإن كان ممن يقوم بالليل فيجعل أكله مرة واحدة في السحر ، ويكتفي به سائر نهاره وليله إن أمكنه . ومن جملة أسباب التدريج أن لا يزيد على ما كان اعتاده بحسب مزاجه ، ثم إذا تمكن من عدم الزيادة وأراد أن يلتحق بأرباب الرياضة فليصبر على ذلك الوزن جمعة يتناوله من الظهر إلى الظهر إن لم يكن صائما بحيث يعتاده . وبعد ذلك يزيد ثلاث ساعات أخرى فيعود أكله العصر ويستديم على ذلك جمعة أخرى ، ثم يزيد ثلاث ساعات فيبقى أكله المغرب هكذا يزيد ما أمكنه إلى أن يقف إلى حد يعجز غيره عن الزيادة ، وإذا أمر المريد بذلك لأجل أن تضعف القوى فليقلّ فضول النفس بهذا السبب . وقال بعضهم : ما أخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف ، ومن أكل فضلا من الطعام أخرج فضلا من الكلام ، وأما باب الوصول فهو قطع الشواغل وترك الفضول وتعلق الهمة باللّه عز وجل .