تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
الصوم ، وقد يقتضي دوام الفطر ، وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم . وإذا فهم المعنى
شرح
إن النهي عن الوصال نهي تنزيه وهو مشهد العارفين باللّه تعالى ، لأنهم قالوا : إنما راعى صلّى اللّه عليه وسلم الشفقة والرحمة في ذلك بظاهر الناس ، ولو كان حراما ما واصل بهم صلّى اللّه عليه وسلم . وقد ورد أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق » ، وقال : « لن يشادّ هذا الدين أحد إلّا غلبه » . وخرج مسلم عن أنس قال : واصل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في آخر شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال : « لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم » وقد يقتضي حاله المواصلة حتى السحر في كل يوم ، فتدخل الليلة في الصوم كل ليلة ويكون حد السحر لفطرها كحد الغروب للنهار في حق من لا يواصل . وأخرج البخاري عن أبي سعيد أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر » . ( وقد يقتضي ) حاله ( دوام الفطر ) في الأيام كلها ما عدا رمضان . ( وقد يقتضي مزج الإفطار بالصوم ) إما بصوم يوم وإفطار يوم كصوم داود عليه السلام ، أو بصوم يومين وفطر يوم كما هو صوم مريم عليها السلام ، أو بصوم ثلاثة في كل أسبوع ، وللسالكين في ذلك طرائق مختلفة . قال صاحب العوارف : كان سهل بن عبد اللّه التستري يأكل في كل خمسة عشر يوما مرة ، وفي رمضان يأكل أكلة واحدة ويفطر كل ليلة بالماء القراح للسنة . وحكي عن الجنيد رحمه اللّه أنه كان يصوم على الدوام ، فإذا دخل عليه إخوانه أفطر معهم ويقول : ليس فضل المساعدة مع الإخوان بأقل من فضل الصوم ، ثم قال : غير أن هذا الإفطار يحتاج إلى علم ، فقد يكون الداعي إلى ذلك شره النفس لا نية الموافقة ، وتخليص النية بمحض الموافقة مع وجود شره النفس صعب . قال : وسمعت شيخنا يعني أبا النجيب يقول : لي سنين ما أكلت شيئا بشهوة نفس ابتداء واستدعاء ، بل يقدم إلي الشيء فأرى فضل اللّه ونعمته وفعله فأوافق الحق في فعله . ورأيت أبا السعود بن شبل يتناول الطعام في اليوم مرات أي وقت أحضر أكل منه ، ويرى أن تناوله موافقة الحق عز وجل لأن حاله مع اللّه تعالى كان ترك الاختيار في جميع تصاريفه والوقوف مع فعل الحق ، وقد كان له في ذلك بداية يعز مثلها حتى لقد كان يبقى أياما لا يأكل ، ولا يعلم أحد بحاله ، ولا يتصرف هو لنفسه ، ولا يتسبب إلى تناول شيء وينتظر فعل الحق بسياقه الرزق إليه ولم يشعر أحد بحاله مدة من الزمان ، ثم إن اللّه تعالى أظهر حاله وأقام له الأصحاب وكانوا يتكلفون الأطعمة ويأتون بها إليه ، وهو يرى في ذلك فعل الحق والموافقة سمعته يقول : أصبح كل يوم وأحب ما إليّ الصوم وينقض الحق علي محبتي للصوم بفعله فأوافق الحق في فعله . وحكي عن بعض الصادقين من أهل واسط أنه صام سنين كثيرة ، وكان يفطر كل يوم قبل غروب الشمس إلا في رمضان قال أبو نصر السراج : أنكر قوم هذا لمخالفة العلم ، وإن كان الصوم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 442 | مرتضى الزبيدي