تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
ومعناه لم يكن له فيها موضع ودونه درجة أخرى وهو صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما ويفطر يوما . وذلك أشد على النفس وأقوى في قهرها ، وقد ورد في فضله أخبار كثيرة لأن العبد فيه بين صوم يوم وشكر يوم ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « عرضت عليّ مفاتيح خزائن الدنيا وكنوز الأرض فرددتها وقلت أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصيام صيام أخي داود كان يصوم
شرح
وقال المصنف : ( معناه لم يكن له فيها موضع ) وهكذا ذكره صاحب العوارف أيضا ( ودونه ) أي دون صوم الدهر ( درجة أخرى وهو بمنزلة صوم نصف الدهر بأن يصوم يوما ويفطر يوما وذلك أشد على النفس وأقوى في ) كسر شهوتها و ( قهرها ) وتذليلها ، ( وقد ورد في فضل ذلك أخبار ) سيأتي ذكرها قريبا ( لأن العبد فيه بين صبر يوم ) وهو الصيام ( وشكر يوم ) وهو الإفطار . ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « عرضت عليّ مفاتيح خزائن الدنيا و ) مفاتيح ( كنوز الأرض فرددتها ) أي على الملك الذي جاء بها ( وقلت أجوع يوما وأشبع يوما أحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت » ) قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أبي أمامة بلفظ : « عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا » وقال حسن اه . قلت : وكذلك رواه أحمد وتمامه عندهما بعد قوله : « ذهبا » فقلت : « لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك » وهو من رواية ابن المبارك عن يحيى بن أيوب عن عبيد اللّه بن زهر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة ، وقول الترمذي حسن فيه نظر ، فقد قال العلائي : فيه ثلاثة ضعفاء عبيد اللّه بن زهر ، وعلي بن زيد ، والقاسم . وفي الحديث جمع القربتين الصبر والشكر وهما صفتا المؤمن الكامل المخلص وفيه دلالة على أن ما كان عليه صلّى اللّه عليه وسلم من ضيق العيش والتقلل فيه لم يكن اضطراريا ، بل اختياريا مع إمكان التوسع . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أفضل الصيام صوم أخي داود كان يصوم يوما ويفطر يوما » ) ، رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبد اللّه بن عمر . وقال الترمذي : حسن صحيح ، وزادوا بعده : « وكان لا يفر إذا لاقى » وفيه إشارة إلى أنه لأجل تقويه بالفطر كان لا يفر من عدوه إذا لاقاه للقتال ، فلو انه سرد الصوم ربما أضعف قوّته وانتهك جسمه ولم يقدر على قتال الأبطال ، فصوم يوم وفطر يوم جمع بين القربتين وقيام بالوظيفتين ، والمراد بالأخوة هنا في النبوّة والرسالة . وأخرجه مسلم من حديثه وفيه ، قال له صلّى اللّه عليه وسلم : « صم يوما وأفطر يوما وذلك صيام داود عليه السلام وهو أعدل الصيام » . وفي لفظ له أيضا قال : « نعم صوم داود نبي اللّه عليه السلام فإنه كان أعبد الناس . قال قلت يا نبي اللّه وما صوم داود ؟ قال : كان يصوم يوما ويفطر يوما .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 437 | مرتضى الزبيدي