تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
الإفطار ويجعل الصوم حجرا على نفسه مع أن اللّه سبحانه يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ، فإذا لم يكن شيء من ذلك ورأى صلاح نفسه في صوم الدهر فليفعل ذلك ، فقد فعله جماعة من الصحابة والتابعين رضي اللّه عنهم . وقال صلّى اللّه عليه وسلم فيما رواه أبو موسى الأشعري : « من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم وعقد تسعين » .
شرح
( والآخر : أن يرغب عن السنة في الإفطار ويجعل الصوم حجرا على نفسه ) أي منعا ، ( مع أن اللّه تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ) الرخص جمع رخصة وهي تسهيل الحكم على المكلف لعذر حصل والعزائم هي المطلوبات الواجبة أي فإن أمر اللّه في الرخصة والعزيمة واحد ، وهذه الجملة قد رويت مرفوعا من حديث ابن عمر . رواه أحمد والبيهقي ، ومن حديث ابن عباس رواه الطبراني في الكبير ، وعن ابن مسعود بنحوه رواه الطبراني أيضا . قال : وقفه عليه أصح ، ويروى أيضا من حديث ابن عمر بلفظ : « كما يكره أن تؤتى معصيته » رواه أحمد ، وابن حبان ، والبيهقي ، وأبو يعلى ، والبزار ، والطبراني ، ومسند الطبراني حسن . ( فإذا لم يكن شيء من ذلك ورأى صلاح نفسه في صوم الدهر ) بأن لم يخف منه ضررا في نفسه ولا فات حق أحد به ( فليفعل ) أي فليصم أبدا ، ( فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان رضي اللّه عنهم ) مما هو معروف عند من طالع سيرتهم ومناقبهم ، وكذلك من بعدهم من الخالفين لهم . قال صاحب العوارف : وكان عبد اللّه بن جابان صام نيفا وخمسين سنة لا يفطر في السفر والحضر ، فجهد به أصحابه يوما فأفطر فاعتل من ذلك أياما ، فإذا رأى المريد صلاح قلبه في دوام الصوم فليصم دائما ويدع الإفطار جانبا فهو عون حسن له على ما يريد . قلت : وقد كان على هذا القدم شيخنا الورع الزاهد محمد بن شاهين الدمياطي رحمه اللّه تعالى كان يوالي الصيام ولم ير مفطرا لا سفرا ولا حضرا ، وكان كثير الزيارات والأسفار لمشاهد الأولياء الكرام ، ولقد ضمنا وإياه مجلس في ثغر دمياط على شط بحر الملح فقلت له يا سيدي ؛ اليوم عيدنا والعيد لا يصام فيه وجهدنا به حتى أفطر ، فأخبرني أصحابه أنه اعتل بذلك علة شديدة . ( وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيما رواه أبو موسى الأشعري ) رضي اللّه عنه : ( « من صام الدهر كله ضيقت عليه جهنم ) هكذا ( وعقد تسعين » ) . قال العراقي : رواه أحمد والنسائي في الكبرى ، وابن حبان وحسنه أبو يعلى الطوسي اه . قلت : قال ابن حبان أحد رواته : هو محمول على من صام الدهر الذي فيه أيام العيد والتشريق . وقال البيهقي وقبله ابن خزيمة يعني ضيقت عنه فلم يدخلها . وفي الطبراني عن ابن الوليد ما يومىء إلى ذلك .