تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
شرح
تم في آخر أمره ، قال : « خالفوهم » فالنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى ، وصيامه يوافق الحالة الثانية ، وهذه صورة النسخ اه . وأما حجة من أجازه ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن كريب أن ناسا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعثوني إلى أم سلمة ليسألها عن الأيام التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أكثر لها صياما ، فقالت : يوم السبت والأحد ، فرجعت إليهم فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت : صدق وكان يقول : « إنهما يوما عيد المشركين فأنا أريد أن أخالفهم » ورواه النسائي والبيهقي وابن حبان . وروى الترمذي من حديث عائشة قالت : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس » . وفي كتاب الشريعة : اعلم أن يوم السبت عندنا هو يوم الأبد الذي لا انقضاء ليومه ، فليله في جهنم فهي سوداء مظلمة ، ونهاره لأهل الجنان . فالجنة مضيئة مشرقة والجوع مستمر دائم في أهل النار ، وضده في أهل الجنان فهم يأكلون عن شهوة لا لدفع ألم الجوع ولا عطش ، فمن كان مشهده القبض والخوف اللذين هما من نعوت جهنم قال بصومه ، لأن الصوم جنّة فيتقي به هذا الأمر الذي أذهله . وقد روي في كتاب الترغيب لابن زنجويه مرفوعا : « من صام يوما ابتغاء وجه اللّه بعده اللّه من النار سبعين خريفا » ومثل هذا ومن كان مشهده البسط والرجاء والجنة ، وعرف أن السبت إنما سمي سبتا لمعنى الراحة فيه ، وإن لم تكن الراحة عن تعب قال بالفطر لما في الصوم من المشقة وهو يضاد الراحة لأنه ضد ما جبل عليه الإنسان من التغذي ، وأما من صامه لمراعاة خلاف المشركين فمشهده أن مشهد المشرك الشريك الذي نصبه ، فلما ولي الشريك أمورهم في زعمهم بما ولوه جعل لهم ذلك اليوم عيدا لفرحه بالولاية ، فأطعمهم فيه وسقاهم ، وأعني بالشريك صورته القائمة بنفوسهم لا عينه . وأما الذي جعلوه شريكا للّه فلا يخلو ذلك المجهول أن يرضى بهذا المحال أو لا يرضى ، فإن رضي كان بمثابتهم كفرعون وغيره ، وإن لم يرض وهرب إلى اللّه مما نسبوا إليه سعد هو في نفسه ولحق الشقاء بالناصبين له ، فمن صامه بهذا الشهود فهو صوم مقابلة ضد لبعد المناسبة بين المشرك والموحد ، فأراد أن يتصف أيضا في حكمه في ذلك اليوم بصفة المقابل بالصوم الذي يقابل فطرهم ، وكذلك كان يصومه صلّى اللّه عليه وسلم . وأما صوم يوم الأحد فلما ذكرناه من هذا المشهد ، فإنه يوم عيد للنصارى ، ومن اعتبر فيه أنه أول يوم اعتنى اللّه فيه بخلق الخلق في أعيانهم صامه شكرا فقابله بعبادة لا مثل لها ، فاختلف قصد العارفين في صومهم ، ومن العارفين من صامه لكونه الأحد خاصة ، والأحد صفة تنزيه للحق والصوم تنزيه ، فوقعت المناسبة بينهما في صفة التنزيه فصامه لذلك وكل له شرب معلوم فعامله بأشرف الصفات ، واللّه أعلم .