تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
وأما صوم الدهر ؛ فإنه شامل للكل وزيادة . وللسالكين فيه طرق فمنهم من كره ذلك إذ وردت أخبار تدل على كراهته ، والصحيح أنه إنما يكره لشيئين ، أحدهما : أن لا يفطر في العيدين وأيام التشريق فهو الدهر كله ، والآخر أن يرغب عن السنّة في
شرح
( وأما صوم الدهر ، فإنه شامل للكل ) مما ذكر في القسمين ( وزيادة ) عليه ( وللسالكين ) من أهل اللّه ( فيه طرق ، فمنهم من كره ذلك إذ وردت أخبار تدل على كراهته ) . قال العراقي : رواه البخاري ، ومسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو ، في حديث له : « لا صام من صام الأبد » ولمسلم من حديث أبي قتادة قيل : يا رسول اللّه كيف بمن صام الدهر ؟ قال : « لا صام ولا أفطر » . وللنسائي نحوه من حديث ابن عمر ، وعمران بن حصين ، وعبد اللّه بن الشخير اه . قلت : أخرجه مسلم من طريق عطاء بن أبي رباح ، عن أبي العباس الشاعر ، عن عبد اللّه بن عمرو قال : بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلم أني أسرد الصوم وأصلي الليل فإما أرسل إلي وإما لقيته ، وفي هذا الحديث فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا صام من صام الأبد » ثلاثا . وفي بعض روايات البخاري : « الدهر » بدل « الأبد » . وأخرج مسلم من حديث أبي قتادة قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ؛ كيف نصوم ؟ فغضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قوله ، فلما رأى عمر غضبه قال : رضينا باللّه ربا وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا نعوذ باللّه من غضب اللّه وغضب رسوله ، فجعل عمر يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه ، فقال عمر : يا رسول اللّه ؛ كيف من يصوم الدهر كله ؟ قال : « لا صام ولا أفطر » أو قال : « لم يصم ولم يفطر » . وفي لفظ آخر : فسئل عن صيام الدهر . وأما حديث عبد اللّه بن الشخير فأخرجه أحمد وابن حبان بلفظ : « من صام الأبد فلا صام ولا أفطر » وعن عمران بن حصين نحوه . ( والصحيح أنه إنما يكره ) صوم الدهر ( لشيئين : أحدهما : أن لا يفطر في العيدين ) الفطر والأضحى ( وأيام التشريق ) وهي ثلاثة أيام بعد يوم الأضحى ( فهو الدهر كله ) وقال المصنف في الوجيز : وعلى الجملة صوم الدهر مسنون بشرط الافطار يومي العيد وأيام التشريق . قال الرافعي : المسنون يطلق على معنيين . أحدهما : ما واظب عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا شك أن صوم الدهر ليس مسنونا بهذا المعنى ، والثاني : المندوب وفي كون صوم الدهر بهذه الصفة كلام ، فإن صاحب التهذيب في آخرين أطلقوا القول بكونه مكروها ، واحتجوا بما فيه من الأخبار الواردة من نهيه ، وفصّل الأكثرون فقالوا : إن كان يخاف منه ضرر أو يفوت به حق فيكره ، وإلّا فلا . وحملوا النهي على الحالة الأولى ، أو على ما إذا لم يفطر العيد وأيام التشريق ، وقوله : بشرط الإفطار يومي العيد وأيام التشريق ليس المراد منه حقيقة الاشتراط لأن إفطار هذه الأيام يخرج الموجود عن أن يكون صيام الدهر ، وإذا كان كذلك لم يكن شرطا لاستثنائه ، فإن استئناف صوم الدهر يستدعي تحققه ، وإنما المراد منه أن صوم الدهر سوى هذه الأيام مسنون ، واللّه أعلم اه .