تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
شرح
بالإنسان لكونه خلق فيه ، فخص الأكمل بالأكمل ، والصوم لا مثل له في العبادات فأشبه من لا مثل له في نفي المثلية ، ومن لا مثل له قد اتصف بصفتين متقابلتين من وجه واحد وهو الأوّل والآخر وهو ما بينهما . إذ كان هو الموصوف ، فمن أراد أن يصوم يوم الجمعة يصوم يوما قبله أو يوما بعده ، ولا يفرد بالصوم كما ذكرناه من الشبه في صيام ذلك وقيام ليلته ، إذ كان ليس كمثل يوم فإنه خير يوم طلعت فيه الشمس ، فما أحكم علم الشرع في كونه حكم أن لا يفرد بالصوم ولا ليلته بالقيام تعظيما لرتبته على سائر الأيام ، واللّه أعلم .

فصل [ في صوم يوم السبت والأحد ]

ولم يذكر المصنف صوم يوم السبت والأحد ، واختلف العلماء فيه . فمنهم من منع ذلك ، ومنهم من قال به . قال الرافعي : وكره إفراد يوم السبت فإنه يوم اليهود ، وقد روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم » اه . قلت : حجة المانعين هذا الحديث ، وقد أخرجه الحاكم والأربعة وابن حبان والحاكم ، والطبراني ، والبيهقي من حديث عبد اللّه بن بسر ، عن أخته الصماء ، وهي لها صحبة بزيادة : « فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحي شجرة فليمضغه » وصححه ابن السبكي ، وقال أبو داود وهذا منسوخ ، وروى الحاكم عن الزهري ، أنه كان إذا ذكر له هذا الحديث قال : هذا حديث حمصي . وعن الأوزاعي قال : ما زلت له كاتما حتى رأيته اشتهر ، وقال أبو داود في السنن ، قال مالك : هذا الحديث كذب . قال الحافظ : وقد أعل هذا الحديث بالاضطراب فقيل هكذا ، وقيل عن عبد اللّه بن بسر من غير ذكر أخته ، وهذه رواية ابن حبان وليست بعلة قادحة ، فإنه أيضا صحابي ، وقيل عنه عن أبيه بسر ، وقيل عنه عن الصماء عن عائشة . قال النسائي : هذا حديث مضطرب . قال الحافظ : ويحتمل أن يكون عن عبد اللّه عن أبيه عن أخته وعنه عن أخته بواسطة ، وهذه رواية من صححه ، ورجح عبد الحق الرواية الأولى ، وتبع في ذلك الدارقطني ، لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهي روايته وينبئ بقلة ضبطه ، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه وليس الأمر هنا كذا ، بل اختلف فيه أيضا على الراوي عن عبد اللّه بن بسر ، وادعى أبو داود نسخه ، ولا يتبين وجه النسخ . قال الحافظ : يمكن أن يكون أخذه من كونه صلّى اللّه عليه وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 433 | مرتضى الزبيدي