تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهو المراد بقوله تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
[ القدر : 1 ] ، ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخل همته عن غير اللّه عز وجل ، وذلك هو الأمر كله ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام . وسيأتي له مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء اللّه عز وجل .
شرح
له من مناسبة المقام ما يدخل عليه به الوهم والشبهة فإن كان عند السالك ضعف أخذ منه وتحقق بالجهل ونال الشيطان منه غرضه في ذلك الوقت ، وإن كان السالك عارفا أو على يد شيخ محقق فإن تم سلوكا يثبت به ما جاء به الشيطان ويستوفيه ، ثم يأخذ منه فيصير ذلك المشهد الشيطاني مشهدا عليك ثابتا لا يقدر الشيطان أن يدفعه فيذهب خاسرا خاسئا فيجتهد في التخيل ويدقق الحيلة في أمر آخر يقيمه له فيفعل به السالك ذلك الفعل أبدا اه . وإذا لم يحم على قلبه بادخال الوهم والشبهة نظر عجائب الملكوت العلوي . ( وليلة القدر ) عند أهل اللّه العارفين ( عبارة عن الليلة التي ينكشف ) وينجلي ( فيها شيء من أسرار الملكوت ) الأعلى ( وهو المراد بقوله تعالىإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )[ القدر : 1 ] ومن جملة أسرار ذلك العالم تقدير الأشياء على ما هي عليه في جري نظام العالم ، ( ومن جعل بين قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام ) والشراب ( فهو عنه ) أي عن عالم الملكوت ( محجوب ) ممنوع أي عن مشاهدته ، ( ومن أخلى معدته ) عن الطعام والشراب ( فلا يكفيه ذلك ) القدر والاقتصار عليه ( لرفع الحجاب ) الظلماني ( ما لم تخل همته عن غير اللّه عز وجل ) بكليتها ، ( وذلك ) أي إخلاء الهمة عما سواه ( هو الأمر كله ) والشأن الأعظم في وصول السالك ، ( ومبدأ جميع ذلك تقليل الطعام ) واخلاء المعدة عنه ، ( وسيأتي له مزيد بيان في كتاب الأطعمة إن شاء اللّه تعالى ) وقد خلط في هذا المقام ناس كثيرون حتى ظنوا أن الجوع غاية السالك ولم ينظروا وراءه ، ولذلك قال أبو عبد الرحمن السلمي : الجوع من مغاليط الصوفية ، بمعنى أن المراد من السالك قطع الشواغل ، ولا شك ولا خفاء أن الجوع من جملة الشواغل ، فإذا أعطيت النفس القوام الذي جعله الشارع نصيبها كان أولى . قال ابن سودكين : سمعت الشيخ الأكبر قدس سره يقول : نظرنا في المتروكات وما تركت لأجله مما ارتبط بتركها من ذلك العلم ، فلم نر للجوع أثرا في مقصد اللطيفة الإنسانية ، وإنما رأينا أثره يعود على تحصيل الثواب في الآخرة وتوفير الذوقية على الروح الحيواني ، وذلك أن الحق سبحانه ما جعل لك من هذه إلا ما فيه القوام مما لا بدّ منه في قوام البنية ، فإذا طلب الزيادة واللذة والتنعم مما يؤخذ من ذلك النصيب نال ، إلا أن ههنا نكتة وهو أنه من لبس هذا الثوب مثلا يتنعم به نقص ذلك من نعيمه في الآخرة ، وكذلك في أكله وشربه وغير ذلك ، ومن لبسه بغير هذا القصد وهو لا يتأثر بنعيمه فلا ينقص ذلك من حقه في آخرته ، وقد كان صلّى اللّه عليه وسلم يهدى إليه الثوب الحسن فيلبسه .