تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
وجل وهو الصمدية ، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان ، فإنهم منزهون عن الشهوات . وللإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم ، وكلما قمع الشهوات ارتفع
شرح
( و ) الثاني : ( الاقتداء بالملائكة ) الكرام المقربين عند اللّه باستعظام ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث منه الشوق إلى الاتصاف ( بالكف عن الشهوات بحسب الإمكان ) والطاقة ، ( فإنهم منزهون عن الشهوات ) فإن لم يمكن كماله فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة ، ولا يخلو عن الشوق إلا لأحد أمرين : إما لضعف المعرفة واليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال ، وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به والتلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به ، إلا إذا كان ممنوعا بالجوع مثلا ، فإن الاستغراق بشوق القوت ربما يمنع انبعاث شوق العلم ، ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات اللّه تعالى خاليا بقلبه عن إرادة ما سوى اللّه تعالى ، فإن المعرفة بذر الشوق ولكن مهما صادف قلبا خاليا عن حسيكة الشهوات فإن لم يكن خاليا لم يكن منيرا منجحا . والثالث : السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفة والتخلق والتحلي بمحاسنها ، وبه يصير العبد ربانيا رفيقا للملأ الأعلى من الملائكة ، وطلب القرب من اللّه بالصفة أمر غامض تكاد تشمئز القلوب من قبوله والتصديق به . فاعلم أن الموجودات منقسمة إلى كاملة وناقصة ، فالكامل أشرف من الناقص ، ومهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد لم يكن الكمال المطلق إلا له ، ولم يكن للوجودات الأخر كمال مطلق ، بل كانت لها كمالات متفاوتة بإضافة ، فأكملها أقرب لا محالة إلى الذي له الكمال المطلق بالمرتبة والدرجة ، ثم الموجودات منقسمة إلى حية وميتة ، وتعلم أن الحي أشرف وأكمل من الميت وإن درجات الأحياء ثلاث درجات : درجة الملائكة ، ودرجة الإنس ، ودرجة البهائم . ( وللإنسان رتبة فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ، ورتبة دون مرتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها ) إذ درجته متوسطة بين الدرجتين ، فكأنه مركب من بهيمية وملكية ، والأغلب في بداية أمره البهيمية إذ ليس له أوّلا من الإدراك إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السماوات والأرض من غير حاجة إلى حركة وطلب قرب ، أو مماسته مع المدرك له ، بل مدركه الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان ، وكذلك المستولي عليه أوّلا شهوته وغضبه ، وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب ، ( فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل سافلين والتحق بغمار البهائم ) ، ودرجة البهائم أسفل في نفس الحياة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 418 | مرتضى الزبيدي