الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ، ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم ، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلم ينتفع بصومه . بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده ، فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء ، وليلة القدر عبارة عن الليلة
شرح
وسائل الشيطان ) وحبائله ( في القود ) والجذب ( إلى الشرور ) الحاصلة من تلك الشهوات ، ( ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل ) من المطعوم والمشروب ، ( وهو أن يأكل أكلته ) بالضم ما يؤكل من الطعام ( التي كان يأكلها ) على عادته ( كل ليلة لو لم يصم ، فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلا فلن ينتفع بصومه ) .
وقال صاحب العوارف : ومن آداب الصوفي في صومه أن يقلل الطعام عن الحد الذي كان يأكله وهو مفطر ، وإلا إذا جمع الأكلات بأكلة واحدة فقد أدرك ما فوت ، ومقصود القوم من الصوم قهر النفس ومنعها عن الاتساع ، وأخذهم من الطعام قدر الصورة لعلمهم ان الاختصار على الضرورة يجذب النفس من سائر الأفعال والأقوال إلى الضرورة ، والنفس من طبعها أنها إذا قهرت للّه تعالى في شيء واحد على الضرورة تأدى ذلك إلى سائر أحوالها فيصير الأكل ضرورة ، والنوم ضرورة ، والقول والفعل ضرورة ، وهذا باب كبير من أبواب الخير لأهل اللّه تعالى يجب رعايته وافتقاده ، ولا يخص بعلم الضرورة وفائدتها وطلبها إلا عبد يريد اللّه أن يقربه ويدنيه ويصطفيه ويزيده اه .
( بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار ) تعللا بظاهر الحديث الذي تقدم ذكره « نوم الصائم عبادة وصمته تسبيح » . ( حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ) من نفسه ( ضعف القوى ) ، ولا يكون النوم عبادة إلا إذا دفع إليه ضرورة أو قصد به التقوّي على قيام الليل ، وأما إذا نوى به تقصير المسافة كما هو عليه عامة الناس بل وخاصتهم اليوم فلا ، إلا أن يكون ممن يخالطه الناس كثيرا فيخاف على نفسه من صدور شيء من الجوارح من المخالفات فيختار النوم فيكون حينئذ عبادة ، ( فيصفو عند ذلك قلبه ) ويرق لتلقي الأنوار الملكوتية ، ( ويستديم في كل ليلة قدرا من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده ) وما يستعمله ، ( فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر في ملكوت السماء ) وهو العالم العلوي ويشهد لذلك قول المصنف في موضع آخر : إذا صار السالك في سماء الدنيا أمن خاطر الشيطان وعصم منه .
وقال الشيخ شمس الدين بن سودكين : سألت الشيخ الأكبر قدس سره عن معنى هذا الكلام ، فقال : هنا تحقيق ينبغي أن يتفطن له ، وذلك أن القول إنما يثبت إذا صار الجسد فوق سماء الدنيا إذا مات الإنسان وانتقلت نفسه ، وأما إذا كان في عالم الكشف وكذا كشف السماوات ، فإنه فيها بروحانية فقط وخياله متصل ، وللشيطان موازين يعلم بها أين مقام العبد من ذلك المشهد ، فيظهر