شرح
من لا يصل عقله إلى معرفة ذلك إما بعتق رقبة من الرق مطلقا أو مقيدا ، فإن أعتقه من الرق مطلقا فهو أن يقيم نفسه في حال كون الحق سمعه وبصره وجميع قواه التي بها يكون انسانا ، وأما إن كان العتق مقيدا فهو أن يعتق نفسه من رق الكون فيكون حرا عن الغير عبد اللّه والعتق من هذه العبودية في هذه الحال لا في الحال الأول . وأما الإطعام في الكفارة فالطعام سبب في حفظه الحياة على متناولة فهو في الإطعام متخلق باسم المحيي لما أمات بما فعله عبادة لا مثل لها كان عليها ، فكان منعوتا بالمميت في فعلها لأنه تعمد ذلك فأمر بالإطعام ليظهر اسم المقابل الذي هو المحيي فافهم .
وأما صوم شهرين في كفارته فالشهر عبارة عن استيفاء جميع المنازل بالسير القمري ، فالشهر الواحد يسير فيها بنفسه ليثبت ربوبية خالقه عليه عند نفسه ، والشهر الآخر يسير في تلك المنازل بربه من باب أن الحق سمعه وبصره وقواه ، فإنه بالقوى قطع هذه المنازل والحق قوّته فقطعهما بربه لا بنفسه ، فهذا حكم الكفارة على من هذا فعله .
اعتبار من أكل أو شرب متعمدا الأكل والشرب تغذ لبقاء حياة الآكل والشارب عند هذا السبب ، لأن حياته مستفادة ، كما أن وجوده مستفاد ، والصوم للّه لا للعبد فلا قضاء عليه ولا كفارة ، ومن قال بالكفارة أوجب عليه الستر لمقامه وحكمه فيها حكم المجامع في الاعتبار سواء ، ومن قال بالقضاء عليه يقول ما أوجب عليه القضاء إلا كونه غيرا كما كان في أصل التكليف يصوم رمضان سواء فيقضيه برده إلى من الصوم له ، فإن الصوم للعبد الذي هو للّه كمن يسلّف شيئا من غيره فقضاؤه ذلك الدين إنما هو برده إلى مستحقه ، والعبد إنما يصوم مستلفا ذلك لأن الصمدانية ليست له والصوم صمدانية فهي للّه لا له ، فاعلم ذلك .
اعتبار من جامع ناسيا لصومه هذا من باب الغيرة الإلهية لما اتصف العبد بما هو للّه وهو الصوم أنساه أنه صائم فأطعمه وسقاه تنبيها له أن حقيقة الصمدانية ليست لك غيرة إلهية أن يدخل معه فيما هو له بضرب من الاشتراك ، فلما لم يكن للعبد في ذلك قصد ، ولا انتهك به حرمة المكلف سقط عنه القضاء والكفارة والجماع قد عرفت معناه في فصل من جامع ، ومن قال عليه القضاء دون الكفارة قال يشهد بالصمدية للّه دون نفسه في حال قيامها به فيكون موصوفا بها مثل قوله :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ[ الأنفال : 17 ] فنفى وأثبت ، ومن قال عليه القضاء والكفارة قال النسيان هو الترك والصوم ترك وترك الترك وجود نقيض الترك ، كما أن عدم العدم وجود ، ومن هذه حاله فلم يقم به الترك الذي هو الصوم ، فما امتثل ما كلف به فلا فرق بينه وبين المتعمد ، فوجب عليه القضاء والكفارة ، والاعتبار قد تقدم في ذلك وأنه ليس في الحديث أن ذلك الأعرابي كان ذاكر الصوم حين جامع أهله ولا غير ذاكر ولا استفصله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هل كان ذاكر الصوم أو غير ذاكر ، وقد اجتمعا في التعمد للجماع فوجب على الناسي بما وجب على الذاكر لصوم ، ولا سيما في الاعتبار فإن الطريق يقتضي المؤاخذة بالنسيان لأنه طريق الحضور والنسيان فيه غريب .