تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
شرح
وسعها وما آتاها سيجعل اللّه بعد عسر يسرا ، وكذلك فعل فإنه قال تعالى :فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً[ الشرح : 5 ، 6 ] فاتى بعسر واحد وبيسرين معه ، فلا يكون الحق يراعي اليسر في الدين ورفع الحرج ويفتي المفتي بخلاف ذلك فإن كون الحدود وضعت للزجر ما فيه نص من اللّه ولا رسوله ، وإنما يقتضيه النظر الفكري فقد يصيب في ذلك ويخطئ لا سيما وقد رأينا خفيف الحد في أشد الجناية ضررا في العالم ، فلو أريد الزجر لكانت العقوبة أشد فيها ، وبعض الكبائر ما شرع فيها حدّ ، ولا سيما والشرع في بعض الحدود في الكبائر لا تقام إلا بطلب المخلوق وإن أسقط ذلك سقطت والضرر في اسقاط الحدّ في مثله أظهر كولي المقتول إذا عفا فليس للإمام أن يقتله ، وأمثال هذا من الخفة والإسقاط فيضعف قول من يقول وضعت الحدود للزجر ، ولو شرعنا نتكلم في سبب وضع الحدود وإسقاطها في أماكن وتخفيفها في أماكن أظهرنا في ذلك أسرارا عظيمة لأنها تختلف باختلاف الأحوال التي شرعت فيها ، والكلام فيها يطول ، وفيها إشكالات مثل السارق والقاتل وإتلاف النفس أشد من اتلاف المال ، وإن عفا ولي المقتول لا يقتل قاتله ، وإن عفا رب المال المسروق أو وجد عند السارق عين المال فردّ على ربه ، ومع هذا فلا بدّ أن تقطع يده على كل حال ، وليس للحاكم أن يترك ذلك ومن هنا تعرف أن حق اللّه في الأشياء أعظم من حق المخلوق فيها بخلاف ما يعتقده الفقهاء . قال عليه السلام : « حق اللّه أحق أن يقضى » . الاعتبار الترتيب في الكفارة أولى من التخيير ، فإن الحكمة تقتضي الترتيب واللّه حكيم ، والتخيير في بعض الأشياء من الترتيب لما اقتضته الحكمة والعبد في الترتيب عبد اضطرار كعبودية الفرائض والعبد في التخيير عبد اختيار كعبودية النوافل ، وبين عبادة النوافل وعبادة الفرائض في التقريب الإلهي فرق بعيد في علو المرتبة فإن اللّه تعالى جعل في القرب في الفرائض أعظم من القرب في النوافل ، وإن ذلك أحب إليه ، ولهذا جعل في النوافل فرائض ، وأمرنا أن لا نبطل أعمالنا وإن كان العمل نافلة لمراعاة عبودية الاضطرار على عبودية الاختيار ، ولأن ظهور سلطان الربوبية فيها أجلى ودلالتها عليها أعظم .

فصل فيمن جامع متعمدا في رمضان :

أجمعوا أن عليه القضاء والكفارة ، وقيل : القضاء فقط لأنه عليه السلام لم يأمره عند عدم العتق والإطعام أن يصوم ، ولا بدّ إن كان صحيحا ، ولو كان مريضا لقال له : إذا وجدت الصحة فصم ، وقال قوم : ليس عليه إلا الكفارة فقط ، والذي أذهب إليه أنه لا قضاء عليه واستحب له الكفارة . الاعتبار القدرتان تجتمعان على إيجاد ممكن من ممكن ، فما ينسب من ذلك للعبد يجب القضاء عليه وهو رده إلى الاقتدار الإلهي والكفارة ستر ذلك الاقتدار المنسوب إلى العبد في الفعل من كل