تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
شرح
عنه في الإغماء ، ويشبه أن يكون أحدهما غلطا ، وهذا أقرب إليه لأن كل من نقله ضعفه . وعند أبي حنيفة إذا أفاق المجنون في أثناء الشهر ، فعليه قضاء ما مضى من الشهر . وذكر المحاملي ان المزني نقل في المنثور عن الشافعي مثله ، وحكي عن زفر مثل قول الشافعي ، وعبارة أصحابنا : ويقضي بإغماء سوى يوم حدث في ليلته الإغماء لوجود الصوم فيه ، إذ الظاهر أنه ينوي من الليل حملا لحال المسلم على الصلاح ، فلو أغمي عليه رمضان كله قضاه كله إلا أوّل يوم منه ، أو في شعبان قضاه كله لعدم النية وبجنون غير ممتد أي غير مستوعب لشهر رمضان ، لأن في الممتد المستوعب حرجا وهو مدفوع ، ثم لا فرق بين الجنون الأصلي والعارض . وعن محمد : أنه فرق بينهما بالصبا ، واختاره بعض المتأخرين . واعلم أن الأعذار أربعة أقسام : ما لا يمتد غالبا كالنوم فلا يسقط به شيء من العبادات لعدم الحرج ، ولهذا لم يجب عليه . وما يمتد خلقه كالصبا فيسقط به جميع العبادات لدفع الحرج عنه ، وما يمتد وقت الصلاة لا وقت الصوم غالبا كالإغماء فإن امتد في الصلاة بأن زاد على يوم وليلة جعل عذرا دفعا للحرج لكونه غالبا ولم يجعل عذرا في الصوم ، لأن امتداده شهرا نادر ، فلم يكن في إيجابه حرج ، والدليل على أنه لا يمتد طويلا أنه لا يأكل ولا يشرب ، ولو امتد طويلا لهلك وبقاء حياته بدونهما نادر ، ولا حرج في النوادر . وما يمتد وقت الصلاة والصوم وقد لا يمتد وهو الجنون فإن امتد فيهما أسقطهما وإلّا فلا ، واللّه أعلم .

فصل [ وجوب القضاء على المغمى عليه ]

وفي كتاب الشريعة : اتفقوا على وجوب القضاء على المغمى عليه ، واختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسدا للصوم ، فمن قائل انه مفسد ، ومن قائل انه غير مفسد ، وفرق قوم بين أن يكون أغمي عليه قبل الفجر أو بعده . وقال قوم : إن أغمي عليه بعد ما مضى أكثر النهار أجزأه أو قليله قضى . الاعتبار الإغماء حالة الفناء والجنون حالة الوله ، وكل واحد من أهل هذا الوصف ليس بمكلف ، فلا قضاء عليه على أن القضاء عندنا لا يتصوّر في الطريق ، فإن كل زمان له وارد يخصه فما ثم زمان يكون فيه حكم الزمان الذي مضى فما مضى من الزمان مضى بحاله ، وما نحن فيه فنحن تحت سلطانه ، وما لم يأت فلا حكم له فينا ، فإن قالوا : قد يكون من حكم الزمان الحالي الذي هو الآن قضاها كان لنا أداؤه في الزمان الأول قلنا له فهو مؤد إذا . إذ هو زمان أداء ما سميته قضاء ، فإن أردت به هذا فمسلم في الطريق فأنت سميته قاضيا وزمان الحال ما عنده خبر لا بما مضى ولا بما يأتي ، فإنه موجود بين طرفي عدم فلا علم له بالماضي ولا بما جاء ولا بما فات صاحبه منه ، وقد يشبه ما يأتي به زمان الحال ما أتى به زمان الماضي في الصورة لا في الحقيقة كما تشبه صلاة العصر في زمان الحال الوجودي صلاة الظهر التي كانت في الزمان الماضي في أحوالها كلها حتى كأنها هي ، ومعلوم أن حكم العصر ما هو حكم الظهر ، واللّه أعلم .