ويستغني بها طول عمره لأن هذا هو الغنى ، وقد قال عمر رضي اللّه عنه : إذا أعطيتم فأغنوا حتى ذهب قوم إلى أن من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم إلا إذا خرج عن حد الاعتدال ، ولما شغل أبو طلحة ببستانه عن الصلاة قال جعلته صدقة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « اجعله في قرابتك فهو خير لك » فأعطاه
شرح
من يشعر كلامه أن يأخذ ما ينفق عينه في حاجاته ، والأول أصح ، ( وقد قال عمر رضي اللّه عنه : إذا أعطيتم فاغنوا ) . يعني من الصدقة ، هكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن حفص عن ابن جرير عن عمرو بن دينار قال قال عمر فساقه ، وقال أصحابنا يجوز له أن يأخذ قدر النصاب فصاعدا مع الكراهة في ذلك ، ومنعه زفر من أصحابنا مطلقا ، وعلل بأن الغنى قارن الأداء لأن الغنى حكمه والحكم مع العلة يقترنان فحصل الأداء إلى الغنى ، وقد رد ذلك عليه بأن الأداء يلاقي الفقر لأن الزكاة إنما تتم بالتمليك ، وحالة التمليك المدفوع إليه فقير ، وإنما يصير غنيا بعد تمام التمليك فيتأخر الغنى عن التمليك ضرورة ، ولأن حكم الشيء لا يكون مانعا له لأن المانع ما يسبقه لا ما يلحقه وقالوا : إنما يكره له الأخذ ذلك القدر إذا لم يكن غارما أو صاحب عيلة ، وإلا فلا بأس أن يأخذ قدر ما يقضي به دينه وزيادة دون مائتين لأن قدر ذلك لا يمنع له الأخذ منه ، واللّه أعلم .
( حتى ذهب قوم إلى أن من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو عشرة آلاف ) .
قلت : نقل الولي العراقي في شرح التقريب عن الضحاك قال : من ملك عشرة آلاف درهم فهو من الأكثرين الأخسرين إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ، ولما حكى القاضي ابن العربي هذا القول قال : إنما جعله أول حد الكثرة لأنه قيمة النفس المؤمنة وما دونه في حد القلة ، وإني لأستحبه قولا وأصوبه رأيا اه .
ويروى عن علي رضي اللّه عنه قال : أربعة آلاف نفقة فما كان فوقها فهو كنز ( إلا إذا خرج عن حد الاعتدال ) فليس له الأخذ في الكثير فإنه يطغيه .
( ولما شغل أبو طلحة ) الأنصاري ( ببستانه ) لما طار دبسيّ فاتبعه بصره وهو يصلي فاشتغل به فلم يدر كم صلى ( قال : جعلته صدقة ) في سبيل اللّه ، وهذا القدر تقدم للمصنف في كتاب الصلاة ، وأما قوله : ( فقال صلّى اللّه عليه وسلم « اجعله في قرابتك فهو خير لك » ، فأعطاه حسان وأبا قتادة ) فأخرجه البخاري ومسلم والنسائي .
قال البخاري في باب الزكاة على الأقارب : حدثنا عبد اللّه بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي اللّه عنه يقول : كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد ،