تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
يقبل اللّه من مسمع ولا مراء ولا منان والمتحدث بصدقته يطلب السمعة والمعطي في ملأ من الناس يبغي الرياء والإخفاء والسكوت هو المخلص منه » . وقد بالغ في فضل الإخفاء جماعة حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى ،
شرح
سَيِّئاتِكُمْ[ البقرة : 271 ] أي فالإخفاء خير لكم ، وهذا في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهم كما سيأتي . وروى ابن أبي حاتم في التفسير ، وابن مردويه ، وابن عساكر ، عن الشعبي في هذه الآية : نزلت في أبي بكر وعمر رضي اللّه عنهما أتل عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال له : « ما خلفت وراءك لأولادك يا عمر » قال خلفت لهم نصف مالي ، وأما أبو بكر رضي اللّه عنه فجاء بماله كله حتى كاد أن يخفيه عن نفسه حتى دفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال له « ما خلفت وراءك يا أبا بكر » قال : عدة اللّه وعدة رسوله فبكى عمر ، وقال : بأبي أنت يا أبا بكر واللّه ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقا اه . وقد تقدم سياق هذه القصة من رواية أبي داود بنحو من هذا عند قول المصنف : « بينكما كما بين كلمتيكما » وليس فيه حتى كاد أن يخفيه ، وبهذه الزيادة يظهر سر سبب النزول . ( وفائدة الإخفاء الخلاص من آفة الرياء والسمعة ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يقبل اللّه من مسمع ) بالتشديد كمحدث ( ولا مراء ولا منان ) . هكذا هو في القوت ولفظه : وقد جاء في الخبر ثم ساقه ، ثم قال : فجمع بين المنة والسمعة والرياء ورد بهن الأعمال ، فالمسمع الذي يتحدث بما صنعه من الأعمال ليستمعه من لم يكن رآه فيقوم ذلك مقام الرؤية للعمل فهو مشتق من السمع ، كالرياء مشتق من الرؤية فسوى بينهما في إبطال العمل لأنهما عن ضعف اليقين إذ لم يكتف المسمع بعلم مولاه ، كما لم يقنع المرائي بنظره فأشرك فيه سواه والحق المنان بهما لأن في المنة معناهما من أنه ذكر فقد سمع غيره به أو رأى نفسه في العطاء فما فخربه وأراه غيره فقد رأياه اه وقال العراقي لم اظفر به هكذا اه . ( فالمتحدث بصدقته يطلب الرياء والسمعة والمعطي ) للصدقة ( في ملأ من الناس يبغي ) أي يطلب ( الرياء والإخفاء ) بها ( والسكوت ) عنها ( هو المخلص من ذلك » و ) بهذا الاعتبار ( قد بالغ في قصد الإخفاء جماعة ) من أهل الورع ( حتى اجتهدوا أن لا يعرف القابض المعطي ) . وقال صاحب القوت : وقد تستعمل العرب المبالغة في الشيء على ضرب المثل والتعجب وإن كان فيه مجاوزة الحد من ذلك ان اللّه تعالى وصف قوما بالبخل فبالغ في وصفهم فقال :أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً[ النساء : 53 ] والنقير لا يريده أحد ولا يطلبه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 185 | مرتضى الزبيدي