وبعضهم يلقيه في طريق الفقير ، وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي ، وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم ، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي ، وكان يستكتم المتوسط شأنه ويوصيه بأن لا يفشيه ، كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه واحترازا من الرياء والسمعة . ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى ، إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعا وليس في معرفة المتوسط إلا
شرح
ولا يعطاه لأنه هو النقطة التي تكون على ظهر النواة منه منبت النخلة ، وفيه معنى أشد من هذا وأغمض أنه لما قال : فأخفى عن شماله كان بهذا القول حقيقة في الخفاء ، فهو ان لا يحدث نفسه بذلك ولا يخطر على قلبه وليس يكون هذا إلا أن لا يرى نفسه في العطاء أصلا ، ولا يجري وهم ذلك على قلبه كما تقول في سر الملكوت : إن اللّه لا يطلع عليه إلا من لا يحدث به ويخفيه .
ليس أعني عن غيره ، لكن يخفيه عن نفسه ولا يحدثها به بمعنى أنه لا يخطر على قلبه ولا يذكره ولا يشهد نفسه فيه شغلا عنه بما اقتطع به وبأنه لا يباليه ، فعندها صلح أن يظهر عن السر ، فإن لم يمكنك على الحقيقة أن تخفي صدقتك عن نفسك فاخف نفسك فيها حتى لا يعلم المعطي أنك أنت المعطي ، وهذا مقام في الإخلاص ، فإن أظهرت يدك في العطاء فاخفها سرا إلى المعطي هذا حال الصادق اه .
وقد تقدم ما يقرب من هذا التقرير من كلام ابن المنير قريبا ، ( فكان بعضهم ) أي من المخلصين ( يلقيه ) وفي نسخة : يلقي صدقته ( في يد أعمى ) أي ولا يخبره عن نفسه ، ( وبعضهم يلقيه في طريق الفقير ) حيث يمر عليه ، ( و ) بين يديه في ( موضع جلوسه حيث يراه ) فيأخذه ( و ) هو ( لا يرى المعطي ) ولا يعلمه .
قال القسطلاني وأنبئت عن بعضهم أنه كان يطرح دراهمه في المسجد ليأخذها المحتاج اه .
( وبعضهم كان يصرها في ثوب الفقير وهو نائم ) فلا يعلم من جعله قال صاحب القوت :
وقد رأيت من يفعل ذلك . ( وبعضهم كان يوصل للفقير على يد غيره بحيث لا يعرف المعطي ، وكان يستكتم المتوسط شأنه ) أي يطلب منه أن يكتم ذلك ( ويوصيه أن لا يفشيه ) أي لا يظهر اسمه . قال صاحب القوت : فأما من فعل هكذا فلا يحصى ذلك من المسلمين ( كل ذلك توصلا إلى إطفاء غضب الرب سبحانه واحترازا من ) الوقوع في ( الرياء والسمعة .
ومهما لم يتمكن من الإعطاء إلا أن يعرف ) وفي نسخة : ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد ( فتسليمها ) وفي نسخة : فتسليمه ( إلى وكيل ) أي واسطة ( يسلمها إلى الفقير ) وفي نسخة إلى المسكين ( والمسكين لا يعرف أولى إذ في معرفة المسكين ) له ( الرياء والمنة معا ) وفي نسخة : جميعا ( وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ) فقط ، ( ومهما