إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 18
كان هذا التشديد مخرجا في الصحيحين فقد صار من مهمات الدين الكشف عن أسرار الزكاة وشروطها الجلية والخفية ومعانيها الظاهرة والباطنة مع الاقتصار على ما لا يستغني عن معرفته مؤدي الزكاة وقابضها وينكشف ذلك في أربعة فصول . يعني بشدقيه - ثم يقول : أنا مالك أنا كنزك ثم تلا لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ » الآية [ آل عمران : 180 ] وزاد في طريق أخرى « واللّه لن يزال يطلبه حتى يبسط يده فيلقمها فاه » ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا ما رب النعم لم يعط حقها تسلطت عليه يوم القيامة تخبط وجهه بأخفافها » ذكر هذه الزيادة في كتاب الخيل . تنبيه [ فيه فائدتان متعلقتان بحديث مسلم ] فيه فائدتان متعلقتان بحديث مسلم الذي أورده المصنف . الأولى : قوله « حتى يقضى بين الناس » قال العراقي في شرح الترمذي : يمكن أن يؤخذ منه أن مانع الزكاة آخر من يقضى فيه ، وأنه يعذب بما ذكر حتى يفرغ من القضاء بين الناس فيقضى فيه بالنار أو الجنة ، ويحتمل أن المراد حتى يشرع في القضاء بين الناس ويجيء القضاء فيه إما في أوائلهم أو وسطهم أو آخرهم على ما يريد اللّه وهذا أظهر اه . قال ولده في شرح التقريب : قد يشير إلى الأول قوله : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، ويقال إنما ذكر في معرض استيعاب ذلك اليوم بتعذيبه لجواز أن يكون القضاء فيه في آخر الناس ، وإن احتمل أن يكون فصل أمره في وسطه أو أوّله ، واللّه أعلم . الثانية : فيه أن هذا الوعيد في حق المسلمين والكفار ، فإن في رواية أخرى من هذا الحديث عند مسلم فيرى سبيله إما إلى الجنة هو المسلم ، والذي إلى النار فيحتمل أن يكون على سبيل التأبيد فيها فهو الكافر ، ويحتمل أن يكون على سبيل التعذيب والتمحيص ثم دخول الجنة وهو المسلم ، وفي دخول المسلم في هذا الوعيد رد على المرجئة حيث يقولون : إنه لا يضر مع الإسلام معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، والكتاب والسنّة مشحونتان بما يخالف قولهم واعتذروا عن ذلك بأن المراد به التخويف لينزجر الناس عن المعصية وليس على حقيقته وظاهره وهو باطل ، ولو صح قولهم لارتفع الوثوق عما جاءت به الشرائع ، واحتمل في كل منها ذلك وهذا يؤدي إلى هدم الشرائع وسقوط فائدتها ، واللّه أعلم . ( وإذا كان هذا التشديد ) والوعيد الشديد في حق مانع الزكاة ( مخرجا في الصحيحين ) للبخاري ومسلم أي اتفقا على إخراج ذلك في كتابيهما وإلى اتفاقهما المنتهى ، ( فقد صار من مهمات الدين الكشف عن أسرار الزكاة وشروطها الجلية ) لأهل ظاهر الشرع ( والخفية ) لأهل باطن الشرع وهم أهل الاعتبار ، ( ومعانيها الظاهرة والباطنة مع الاقتصار على ما لا ) بدّ منه مما لا ( يستغني عن معرفته مؤدي الزكاة ) أي معطيها ( وقابضها ، وينكشف ) بيان ( ذلك في أربعة فصول ) هي للكتاب أساس الوصول .