الرابع : أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر ، فإن أعين المساكين في كل بلدة تمتد إلى أموالها ، وفي النقل تخييب للظنون . فإن فعل ذلك أجزأه في قول ولكن الخروج عن شبهة الخلاف أولى ، فليخرج زكاة كل مال في تلك البلدة ثم لا بأس أن يصرف إلى الغرباء في تلك البلدة .
شرح
التقسيم على الأصناف شدد نظرا إلى أدق المعنيين ، وأبو حنيفة رحمه اللّه نظر إلى وجه القربة في المتنازع فيه فخفف تسهيلا على الأمة ، وفي بعض مسائل هذا الباب شدد أبو حنيفة وخفف الشافعي فرجع الأمر إلى مرتبتي الميزان ، فالأولى بالمصنف أن يقول : فهذا مثار الخلاف فيه كما لا يخفى ، وكلهم مرضيون هداة مثابون على اجتهادهم وحسن نظرهم ، فرضي اللّه عنهم وأرضاهم عنا .
( الرابع ) من الأمور الخمسة ( أن لا ينقل الصدقة إلى بلد آخر ) مع وجود المستحقين سواء كان النقل إلى مسافة أو دونها ، ( فإن أعين المساكين ) والفقراء ( في بلدة تمتد إلى أموالها ) فينبغي تفريقها عليهم ، ( وفي النقل تخييب للظنون فإن فعل ذلك أجزأه في قول ) ، وفي قول لا يجزئ وهو الأظهر ، وفي المراد بهما طرق أصحها أن القولين في سقوط الفرض ولا خلاف في تحريمه ، والثاني : أنهما في التحريم ولا خلاف أنه يسقط ، ثم قبل هذا في النقل إلى مسافة القصر فما فوقها ، فإن نقل إلى دونها جاز ، والأصح طرد القولين ، وإذا أوصى للفقراء والمساكين وسائر الأصناف أو وجبت عليه كفارة أو نذر فالمذهب في الجميع جواز النقل لأن الأطماع لا تمتد إليها امتداد الزكاة . ( ولكن الخروج عن شبهة الخلاف أولى ) للمريد في طريق الآخرة ، ( فليخرج زكاة كل مال في تلك البلد ) فلو كان المال ببلد والمالك ببلد ، فالاعتبار ببلد المال لأنه سبب الوجوب ويمتد إليه نظر المستحقين فيصرف العشر إلى فقراء بلد الأرض التي حصل منها العشر وزكاة النقدين ، والمواشي والتجارة إلى فقراء البلد التي تم فيه حولها ، ولو كان المال في بادية صرف إلى فقراء أقرب البلاد إليه ، ولو كان تاجرا مسافرا صرفها حيث حال الحول وإن كان ماله في مواضع متفرقة قسم زكاة كل طائفة من ماله ببلدها ما لم يقع تشقيص ، ( ثم لا بأس أن يصرف إلى الغرباء ) الطارئين ( في تلك البلدة ) وليسوا من أهلها .
اعلم أن أرباب الأموال صنفان : أحدهما : المقيمون في موضع لا يظعنون فعليهم صرف زكاتهم إلى من في موضعهم من الأصناف سواء فيه المقيمون والغرباء . الثاني : أهل الخيام الطائفون في البلاد دائما ، فعليهم أن يصرفوها إلى من معهم من الأصناف ، فإن لم يكن معهم مستحق نقلوه إلى أقرب البلاد إليهم عند تمام الحول واللّه أعلم .
وأخرج أبو داود ، وابن ماجة من طريق إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين عن أبيه أن زيادا أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة ، فلما رجع قال لعمران : أين المال ؟
قال : وللمال أرسلتني . أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .