غرض الشافعي رضي اللّه عنه يتساهل في ذلك ويلاحظ المقصود من سد الخلة وما أبعده عن التحصيل ، فإن سد الخلة مقصود وليس هو كل المقصود ، بل واجبات الشرع ثلاثة أقسام :
قسم : هو تعبد محض لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه ، وذلك كرمي الجمرات مثلا إذ لاحظ للجمرة في وصول الحصى إليها فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل ليظهر العبد رقه وعبوديته ويفعل ما لا يعقل له معنى ، لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعوه إليه فلا يظهر به خلوص الرق والعبودية ، إذ العبودية تظهر بأن
شرح
عن خمس من الإبل بعير لا يساوي شاة ، فلما لم يجز علمنا أنه بالقيمة ، ومنهم من دفع أثر معاذ وقال : لا حجة فيه على أخذ القيم في الزكاة مطلقا لأنه لحاجة علمها بالمدينة وأن المصلحة في ذلك ، واستدل به على نقل الزكاة . وأجيب بأن الذي صدر من معاذ كان على سبيل الاجتهاد فلا حجة فيه ، وعورض بأن معاذا كان أعلم الناس بالحلال والحرام ، وقد بين له النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن ما كان يصنع .
ثم إن المصنف رحمه اللّه أشار بالرد على من قصر نظره على المقصود من إخراج القيمة الذي هو سدّ خلة المحتاج ، وأن وراء ذلك أمرا آخر بعيد الغور فهمه الشافعي فقال : ( ولعل بعض من لا يدرك غرض الشافعي ) رضي اللّه عنه في عدم اعتباره تجويز القيم ( يتساهل في ذلك ويلاحظ المقصود من سدّ خلة ) أي الاحتياج ( وما أبعده عن التحصيل ) لدرك أسرار مسائل الفقه ، ( فإن سدّ الخلة مقصود ) في الجملة كما ذكروا ( وليس هو كل المقصود بل ) وراءه أمر آخر ينبغي الإحاطة بمعرفته ، وبيان ذلك أن ( واجبات الشرع ) التي أوجبها اللّه على لسان الشارع صلّى اللّه عليه وسلم ( ثلاثة أقسام ) بالاستقراء .
( قسم : هو تعبد محض ) غير معقول المعنى ( لا مدخل للحظوظ ) النفسية ( والأغراض ) الظاهرة ( فيه ، وذلك كرمي الجمار مثلا إذ لاحظ للجمرة في وصول الحصى إليها فمقصود الشرع في ذلك الابتلاء بالعمل ) أي الاختبار به ( ليظهر العبد رقّه وعبوديته ) أي خضوعه ( ويفعل ما لا يعقل له معنى ) هذا بالنسبة إلى قاصر النظر على ظواهر الأحكام ، ولكن من تعدى هذا الطور وأعطي منحا إلهية فإنه يعقل لرمي الجمار معنى غريبا غير ما يعرفه القاصرون ، وكذا سائر المتعبدات الشرعية التي يحكم عليها أهل الظاهر بأنه تعبدي فله معنى معقول عند أهل الباطن ، كما سيأتي بيان ذلك على التفصيل في كتاب الحج إن شاء اللّه تعالى . ( لأن ما يعقل معناه ) بأي وجه كان ( قد يساعد الطبع ) الإنساني ( عليه ويدعو إليه ) ويحمله على العمل به ( فلا يظهر به خلوص الرق والعبودية ) ولا يتم كمال الخضوع المأمور به ، ( إذ العبودية ) المحضة ( تظهر بأن تكون الحركة بحق أمر من اللّه )