شرح
قال ابن رشيد : والبخاري كثير المخالفة للحنفية لكن قاده إليه الدليل ، وقد تكلموا على هذا الأثر بأوجه .
منها : أن طاوسا لم يسمع من معاذ فهو منقطع . والجواب : من وجهين أولا أن البخاري أورده في معرض الاحتجاج ، وهذا يقتضي قوته عنده ، وثانيا نقل الحافظ ابن حجر في تخريج الرافعي عن الشافعي أنه قال : طاوس عالم بأمر معاذ ، وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافا اه .
ومنها : حكى البيهقي عن الإسماعيلي قال : قال بعضهم : فيه من الجزية بدل الصدقة ، فإن ثبت فقد سقط الاحتجاج ، ثم قال البيهقي هذا هو الأليق بمعاذ والأشبه بما أمره النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أخذ الجنس في الصدقات ، وأخذ الدينار أو عدله « 1 » ثياب اليمن في الجزية وأن يرد الصدقات إلى فقرائهم لا أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فيء لا أهل صدقة اه .
قلت : وهذا الذي حكاه الإسماعيلي عن بعضهم من لفظ الجزية غير مشهور عند المحدثين ، ولو كان صحيحا لذكر له سندا ، ولو ذكر له سندا نظرنا فيه ، لكنه لم يذكر . وكيف يكون ذلك جزية ، وقد قال معاذ : مكان الذرة الشعير ولا مدخل لها في الجزية ، وإنما أمره عليه السلام بأخذ الجنس لأنه هو الذي يطالب به المصدق ، والقيمة إنما تؤخذ باختيارهم ، وعلى هذا يحمل قوله صلّى اللّه عليه وسلم « الحب من الحب » الحديث . والمقصود من الزكاة سدّ خلة المحتاج ، فالقيمة في ذلك تقوم مقام تلك الأجناس ، فوجب أن تجوز عنها ، وهذا كما عين صلّى اللّه عليه وسلم الأحجار للاستنجاء ، ثم اتفق الجميع على جوازه بالخرق والخشب ونحوهما لحصول الإنقاء بها كما يحصل بالأحجار ، وإنما عين صلّى اللّه عليه وسلم تلك الأجناس في الزكاة تسهيلا على أرباب الأموال لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي عنده كما جاء في بعض الآثار « أنه صلّى اللّه عليه وسلم جعل في الدية على أهل الحلل حللا » ويجوز أن يريد معاذ نقل ما زاد عن فقرائهم ، ومتى لم يوجد أهل السهمان في بلد نقلت الصدقة ، والمراد بالمهاجرين الفقراء منهم كما تقول الزكاة حق المسلمين والمراد فقراؤهم . وذكر البيهقي حديث عطاء بن ياسر عن معاذ بعثه عليه السلام إلى اليمن فقال « خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل » .
قلت : وهذا مرسل وإمامه لا يحتج بالمراسيل لأن عطاء ولد سنة تسع عشرة فلم يدرك معاذا لأنه توفي سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس ، ثم لو صح حديث عطاء فظاهره متروك لأن الشاة تؤخذ عن الإبل ، وأيضا لو أعطى بعيرا عن خمس من الإبل إلى عشرين جاز عند أصحاب الشافعي ، مع أن المنصوص عليه الشياه .
فان قيل : إنما جوّزنا ذلك لأنه عليه السلام قال : « والبعير من الإبل » . قلنا : فوجب أن يجوز
هامش
( 1 ) بياض في الأصل