إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 128
والبرودة أصل فاعلي والحرارة أصل فاعلي ، واليبوسة والرطوبة فرعان منفعلان فتبعت الرطوبة البرودة لكونها منفصلة عنها ، فلهذا تكوّنت الفضة على النصف من زمان تكوين الذهب ، ولما كان المنفعل يدل على الفاعل ويطلبه بذاته لهذا استغنينا بذكر المنفعل عن ذكر ما انفعل عنه لتضمنه إياه فقال تعالى : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ [ الأنعام : 59 ] ولم يذكر ولا حار ولا بارد ، وهذا من فصاحة القرآن وإعجازه وحيث علم أن الذي أتى به وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن ممن اشتغل بالعلوم الطبيعية فيعرف هذا القدر ، فعلم قطعا أن ذلك ليس من جهته وأنه تنزيل من حكيم حميد ، وأن القائل هذا عالم وهو اللّه تعالى ، فعلم النبي صلّى اللّه عليه وسلم كل شيء بتعليم اللّه وإعلامه لا بفكره ونظره وبحثه ، فلا يعرف مقدار النبوّة إلا من أطلعه اللّه على مثل هذه الأمور ، فانظر ما أحكم علم الشرع في فرض الزكاة في هذه الأصناف على هذا الحد المعلوم في صنف صنف صنف لمن نظر واستبصر . فصل في نصاب الذهب : قالت طائفة تجب الزكاة في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم ، ومن قائل ليس في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين دينارا ففيه دينار واحد وهو ربع العشر - أعني عشرها - ومن قائل ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفه مائتي درهم أو قيمتها ، فإذا بلغ ففيه ربع عشره ، وسواء بلغ عشرين دينارا أو أقل أو أكثر هذا فيما كان من ذلك دون الأربعين حينئذ يكون الاعتبار في الذهب ما ذكرناه ، فإذا بلغ الأربعين كان الاعتبار بها نفسها لا بالدراهم لا صرفا ولا قيمة . الاعتبار في كل أربعين دينارا دينار وهو ربع العشر من ذلك قد ذكرنا أن الفضة لما حكم عليها وهي تطلب الكمال الذي ناله الذهب طبع واحد وهو البرودة من الأربع الطبائع ، فأخذت من الذهب طبعا واحدا أخرجته من محل الاعتدال ، فلهذا أخذ من الأربعين التي هي نصاب الذهب دينار واحد وهو ربع العشر ، لأنك إذا ضربت أربعة في عشرة كانت أربعين ، فالأربعة عشر الأربعين ، والواحد ربع الأربعة ، فهو ربع عشرها وهو الواحد الذي أخذته الفضة وصارت به فضة في طلبها درجة الكمال ، فنقص من الذهب هذا القدر فكانت زكاته دينارا ، وهذا الدينار قد اجتمع مع الخمسة الدراهم في كونه ربع عشر ما أخذ منه ، فإن العشرين عشر المائتين وربع العشرين خمسة فكان في المائتين خمسة دراهم وهي ربع عشرها ، فمن حمل الذهب على الفضة وقال : إن في عشرين دينارا كما في مائتي درهم ، أو من قال بالصرف والقيمة بمائتي درهم ، فأوجب الزكاة فيما هذا قيمته أو صرفه من الذهب وهذا فيما دون الأربعين ، فإنه ما ورد نهي فيما دون الأربعين من الذهب كما ورد في الورق ، فإنه قال : ليس فيما دون خمس أواق صدقة ، ولم