فأفاد هذا الحديث فائدتين .
إحداهما : ان الكراهية مقصورة على صلاة لا سبب لها ، ومن أضعف الأسباب قضاء النوافل إذا اختلف العلماء في أن النوافل هل تقضى ، وإذا فعل مثل ما فاته هل يكون قضاء ، وإذا انتفت الكراهية بأضعف الأسباب فبالحري أن تنتفي بدخول المسجد وهو سبب قوي ولذلك لا تكره صلاة الجنازة إذا حضرت ولا صلاة الخسوف والاستسقاء في هذه الأوقات لأن لها أسبابا .
شرح
عروة عنها قالت له : يا ابن أختي ما ترك النبي صلّى اللّه عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط ، ومن طريق أبي إسحاق قال : رأيت الأسود ومسروقا شهدا على عائشة قالت : ما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلّى ركعتين . ( فأفاد هذا الحديث فائدتين ) .
( إحداهما : ان الكراهة مقصورة على صلاة لا سبب لها ) .
قال الولي العراقي في شرح التقريب : ذهب أصحابنا إلى أن النهي في جميع الصور إنما هو في صلاة لا سبب لها فأما ما له سبب متقدم عليه أو مقارن له ، فيجوز فعله في وقت الكراهة ، وهذا كالفائتة ، ولو كانت من الرواتب أو من النوافل التي اتخذها الإنسان وردا له وكصلاة الجنازة وسجود التلاوة والشكر وركعتي الطواف وصلاة الكسوف وسنة الوضوء ، ولو توضأ في وقت الكراهة ، وصلاة الاستسقاء على الأصح خلافا لما صححه النووي في شرح المهذب فيها في بابها وتحية المسجد إذا دخل لفرض غير صلاة التحية ، فلو دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فقط ففيه وجهان . ذكر الرافعي والنووي أن أقيسهما الكراهة هذا ، وقوله المسجد في ذلك الوقت بذلك القصد لا فعل التحية في ذلك الوقت وقولي أولا ما له سبب متقدم أو مقارن له خرج به ما له سبب متأخر عنه كصلاة الاستخارة وركعتي الإحرام ، فيكره فعلهما في وقت الكراهة على الأصح ، وقال في شرح المهذب إن مقابله قوي اه .
( ومن أضعف الأسباب قضاء النوافل إذ ) قد ( اختلف العلماء في أن النوافل هل تقضى ) أم لا ، ( وإذا فعل مثل ما فاته هل يكون قضاء ) أو أداء فيه خلاف . وقال أصحابنا : الأداء تسليم عين الواجب والقضاء تسليم مثل الواجب ، وقد يستعمل أحدهما في الآخر والقضاء يجب بما يجب به الأداء ( فإذا انتفت الكراهة بأضعف الأسباب ) الذي هو قضاء النافلة ( فبالحري أن تنتفي ) الكراهة ( بدخول المسجد وهو سبب ) قوي ، ( ولذلك لا تكره صلاة الجنازة إذا حضرت ) حكى ابن المنذر في جوازها بعد الصبح والعصر الإجماع ، وعن أحمد وأبي حنيفة منعها في الأوقات الثلاثة من أوقات الكراهة غير الوقتين المذكورين ، وعن أحمد رواية أخرى بجوازها في الأوقات كلها كمذهب الشافعي إلا أن الشافعي رضي اللّه عنه كان يكره أن يتحرى الدفن عند الطلوع والغروب خاصة ، ومنع مالك صلاة الجنازة عند الطلوع والغروب كما منع أبو حنيفة وأحمد وضابط ذلك عندهم من وقت الإسفار والاصفرار . وأما