شرح
والثناء فبكلام اللّه أولى ، وقد انطلق عليها اسم صلاة فالعدول عن الفاتحة ليس يحسن وبه قال الشافعي وأحمد وداود . والاعتبار في ذلك .
قال أبو يزيد البسطامي : اطلعت على الخلق فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات . قال بعض شيوخنا : رأى أبو يزيد عالم نفسه هذه الصفة تكون لمن لا معرفة له بربه ولا يتعرف إليه ، وتكون لأكمل الناس معرفة باللّه فالعارف المكمل يرى نفسه ميتا بين يدي ربه بربه إذا كان الحق سمعه وبصره ولسانه ويده ، فتكون نفسه عين الجنازة ، ويكون الحق من كونه سمعه وبصره ولسانه ويده يصلي عليه قال تعالى :هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ[ الأحزاب : 43 ] فإذا كان الحق هو المصلي فيكون كلامه القرآن فالعارفون لا بدّ لهم من قراءة فاتحة الكتاب يقرؤها الحق على لسانهم ويصلي عليهم ، فيثني على نفسه بكلامه ، ثم يكبّر نفسه عن هذا الاتصال في ثنائه بلسان عبده في صلاته على جنازة عبده بين يدي ربه ، ويكون الرحمن في قبلته وهو المسؤول ، ويكون المصلي هو الحي القيوم ، ثم يصلي بعد التكبيرة الثانية على نبيه المبلغ عنه . قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ[ الأحزاب : 56 ] ثم يكبر نفسه على لسان هذا المصلي من العارفين عن التوهم الذي يعطيه هذا التنزل الإلهي في تفاضل النسب بين اللّه وبين عباده من حيث ما يجتمعون فيه ومن حيث ما يتميزون به في مراتب التفضيل فربما يؤدي ذلك التوهم ان الحقائق الإلهية يفضل بعضها بعضا بتفاضل العباد . إذ كل عبد في كل حالة مرتبط بحقيقة إلهية والحقائق الإلهية نسب تتعالى عن التفاضل ، فلهذا كبّر الثالثة ثم شرع بعد القراءة والصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الدعاء للميت ، فأول ما يدعى به للميت في الصلاة عليه ويثنى على اللّه به في الصلاة القرآن ، فإذا عرف العارف فلا يتكلم ولا ينطق إلا بالقرآن ، فإن الإنسان ينبغي له أن يكون في جميع أحواله كالمصلي على الجنازة ، فلا يزال يشهد ذاته جنازة بين يدي ربه وهو يصلي على الدوام في جميع الحالات على نفسه بكلام ربه دائما ، فالمصلي داع أبدا والمصلي عليه ميت أو نائم أبدا فمن نام بنفسه فهو ميت ومن مات بربه فهو نائم نومة العروس والحق ينوب عنه فيقول : اللهم أبدله دارا خيرا من داره يعني النشأة الآخرة ، فيقول اللّه : فقد فعلت ، فإن النشأة الدنيا هي داره وهي دار منتنة كثيرة العلل والأمراض والتهدم تختلف عليها الأهواء والأمطار ويخربها مرور الليل والنهار والنشأة الآخرة التي بدلها وهي داره كما وصفها الشارع من كونهم لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخطون نزهها عن القذارات ، وأن تكون محلا يقبل الخراب أو تؤثر فيها الأهواء ثم يقول : وأهلا خيرا من أهله فيقول : قد فعلت ، فإن أهله في الدنيا كانوا أهل بغي وحسد وتدابر وتقاطع وغل وشحناء قال تعالى في الأهل الذي تنقلب إليه :وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ[ الحجر : 47 ] ثم يقول وزوجا خيرا من زوجه وكيف لا يكون خيرا وهن قاصرات الطرف مقصورات في الخيام لا تشاهد في نظرها أحسن منه ولا يشاهد أحسن منها قد زينت لها وزين له فدعاؤهم في الصلاة على الميت مقبول ، لأنه دعاء بظهر الغيب ،