شرح
والذي أقول به : إنه يجوز بعد طلوع الشمس ، وهو قول أبي ثور ، والأوزاعي ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم جعل المغرب وتر صلاة النهار مع كونه لا يصلّى إلا بعد غروب الشمس ، وكذلك صلاة الوتر وإن تركها الإنسان من الليل فإنه تارك للسنّة ، فإن صلاها بعد طلوع الشمس فإنها توتر له صلاة الليل ، وإن وقعت بالنهار كما أوترت صلاة المغرب صلاة النهار وإن كانت وقعت بالليل .
الاعتبار الوتر لا يتقيد بالأوقات وإن ظهر في الأوقات ؛ إذ لو تقيد لم يصح له الانفراد ، فإن القيد ضد الإطلاق ، ولا سيما قد ذكرنا في كتاب الزمان ، أن الوقت أمر عدمي لا وجود له ، والوتر أمر محقق وجودي ، وكيف يتقيد الأمر الوجودي بالأمر العدمي حتى يؤثر فيه هذا التأثير ، ونسبة التأثير إلى الأمر الوجودي أحق وأولى عند كل عاقل ، وإذا لم يقيد وقت الوتر فليوتر متى شاء ومثابرته على إيقاعه قبل الفجر أولى ، فإنه السنّة . والاتباع في العبادات أولى وهذا الذي أوردناه إنما هو على ما تعطيه الحقائق في الاعتبارات فافهم . كما أنه إذا اعتبرنا في الوتر أنه الذحل مما وقع من وتر صلاة المغرب من كونها عبادة ، فطلب الثأر لا يتقيد بالوقت وإنما أمره متى ظفر بمن يطلبه أخذ ثأره منه من غير تقييد وقت فعلى كل وجه من الاعتبارات لا يتقيد بالوقت ، ثم اختلف الناس في القنوت في الوتر فمن قائل يقنت فيه ، ومن قائل بالمنع ، ومن قائل بالجواز في نصف رمضان الأوّل ، وفي نصفه الآخر ، ومن مجوّز له في رمضان كله . وكل ذلك عندي جائز فمن فعل من ذلك ما فعل فله حجة .
الاعتبار الوتر لما لم يصح إلا أن يكون عن شفع إما مفروض أو مسنون لم يقو قوّة توحيد الأحدية الذاتية التي لا تكون نتيجة عن شفع ، ولا تتولد في نفس العارف عن نظر مثل من عرف نفسه عرف ربه ، فهذه معرفة الوترية لا معرفة الأحدية الذاتية ، والقنوت دعاء وتضرع وابتهال وهو ما يحمله الوتر من أثر الشفع المقدم عليه التي هي هذه المعرفة الوترية نتيجة عنه ، فتعين الدعاء من الوتر ولهذا دعا الحق عباده وقال :فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي[ البقرة : 186 ] وقال :وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ[ البقرة : 221 ] وقال :وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ[ يونس : 25 ] فوصف نفسه بالدعاء وهو الوتر سبحانه فاقتضى الوتر القنوت ، فإذا أوتر العبد انبغى له أن يقنت ولا سيما في رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى ، فتأكد الدعاء في وتر رمضان أكثر من غيره من الشهور فاعلم .
وأما صلاة الوتر على الراحلة فمنهم من منع ذلك لكونه يراه واجبا فيلحقه بالفرض قياسا ، وموضع الاتفاق بين الأئمة أن الفرض لا يجوز على الراحلة ، وأكثر الناس على إجازة الوتر على الراحلة لثبوت الأثر في ذلك وبه أقول .
الاعتبار الصلاة المقسومة بين اللّه وبين العبد ليست في الأفعال ، وإنما هي في قراءة الفاتحة وما في معناها من الأذكار ، فيجوز الوتر على الراحلة وهو مصل ومن راعى تنزيه الحق في كل فعل