شرح
الوترية تصحب العبادة فشرعت وتر صلاة الليل لتشفع وتر صلاة النهار فتأخذ بوتر الليل ثارها من وتر النهار ، ولهذا يسمى الذحل وترا ، فإن أوتر بثلاث فهو من قوله : « فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » ومن أوتر بواحدة فهو مثل قوله : « لا قود إلا بحديدة » فمن فصل في الثلاث بسلام راعى لا قود إلا بحديدة وراعى حكم الأحدية ، ومن لم يفصل راعى وحدانية الإله ، فمن أوتر بواحدة فوتره أحدي ، ومن أوتر بثلاث فهو توحيد الألوهية ، ومن أوتر بخمس فهو توحيد القلب ، ومن أوتر بسبع فهو توحيد الصفات ، ومن أوتر بتسع فقد جمع في كل ثلاث توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الأفعال ، ومن أوتر بإحدى عشرة فهو توحيد المؤمن ، ومن أوتر بثلاث عشرة فهو توحيد الرسول وليس وراء الرسالة مرمى فإنها الغاية ، وما بعدها إلا الرجوع إلى النبوّة لأن عين العبد هناك ظاهر بلا شك .
ومن السنّة أن يتقدم الوتر شفع والسبب في ذلك أن الوتر لا يؤمر بالوتر فإنه لو أمر به لكلف أمرا بالشفع ، وإنما المأمور بالوتر من ثبتت له الشفعية فيقال له أوترها ، فإن الوتر هو المطلوب من العبد فما أوتر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قط إلا عن شفع . قال اللّه تعالى :وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ[ الفجر : 3 ] وقد قدمنا أن الشفعية حقيقة العبد إذ الوترية لا تنبغي إلا للّه تعالى من حيث ذاته وتوحيد مرتبته أي : مرتبة الإله لا تنبغي إلا للّه تعالى من غير مشاركة ، والعبودية عبوديتان :
عبودية اضطرار ويظهر ذلك في أداء الفرائض ، وعبودية اختيار ويظهر ذلك في النوافل ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما أوتر قط إلا عن شفع نافلة غير أن قوله : « إن صلاة المغرب وتر صلاة النهار » وشرع الوتر ليوتر به صلاة الليل وصلاة النهار منها فرض ونفل ، وعلمنا أن النفل قد لا يصليه واحد من الناس كضمام بن ثعلبة السعدي ، فقد أوتر له صلاة المغرب الصلوات المفروضة في النهار ، فقد يكون الوتر يوتر له صلاة العشاء الآخرة إذا أوتر بواحدة أو بأكثر من واحدة ما لم يجلس فإن النفل لا يقوى قوة الفرض فإن الفرض بقوته أوتر صلاة النهار وإن كانت صلاة المغرب ثلاث ركعات يجلس فيها من ركعتين ويقوم إلى ثالثة . وقد ورد النهي عن أن يتشبه في وتر الليل بصلاة المغرب لئلا يقع اللبس بين الفرائض والنوافل ، فمن أوتر بثلاث أو خمس أو بسبع وأراد أن يوتر الفرض فلا يجلس إلا في آخر صلاته حتى لا يتشبه بالصلاة المفروضة ، فإذا لم يجلس قامت في القوّة مقام وترية المغرب ، وإن كان فيه جلوس لقوة الفرضية فيتقوّى الوتر إن كان أكثر من ركعة إذا لم يجلس بقوة الأحدية .
فصل في وقته فمن وقته ما هو متفق عليه وهو من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر ، ومنه مختلف فيه على خمسة أقوال : فمن قائل يجوز بعد الفجر ، ومن قائل بجوازه ما لم تصل الصبح ، ومن قائل يصلى بعد الصبح ، ومن قائل يصلى وإن طلعت الشمس ، ومن قائل يصلى من الليلة القابلة . هذه الأقوال حكاها ابن المنذر .