تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
« بين كل أذانين صلاة لمن شاء » . وكان أحمد بن حنبل يصليهما فعابه الناس فتركهما فقيل له في ذلك . فقال : لم أر الناس يصلونهما فتركتهما . وقال : لئن صلاهما الرجل في بيته أو حيث لا يراه الناس فحسن ، ويدخل وقت المغرب بغيبوبة الشمس عن الأبصار
شرح
إلى مخالفة إدراك أول وقتها ، وبه تمسك أبو حنيفة فكره النفل قبلها وخص به خبر عبد اللّه بن مغفل . وأخرج أبو داود بإسناد حسن من حديث ابن عمر قال : ما رأيت أحدا يصلي ركعتين قبل المغرب على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقال البزار : بعد أن ذكر الحديث المذكور لا نعلم رواه إلا حيان وهو بصري مشهور لا بأس به اه . وقال الهيثمي : ضعفه ابن عدي ، وقيل : إنه اختلط . وحكم ابن الجوزي بوضعه وقال : تفرد به حيان كذبه الفلاس ، وتعقبه الحافظ السيوطي في اللآلىء المصنوعة فقال : الذي كذبه الفلاس غير هذا . وقال الولي العراقي : ولا خلاف في استحباب جميع النوافل المذكورة في الأحاديث إلا في الركعتين قبل المغرب ففيهما وجهان لأصحابنا . أشهرهما لا يستحب ، والصحيح عند المحققين استحبابهما اه . قلت : والذي صححه النووي أنهما سنة للأمر بهما في حديث ابن مغفل عند البخاري وقال مالك : بعدم السنية ، وقال في المجموع : واستحبابهما قبل الشروع في الإقامة ، فإن شرع فيها كره الشروع في غير المكتوبة اه . وقال النخعي : إنهما بدعة لأنه يؤدي إلى تأخير الفرض عن أول وقته ، وهذا قد منعه النووي في شرح مسلم ، وحكمة استحبابهما كما قال ابن الجوزي وغيره رجاء إجابة الدعاء لأنه بين الأذانين لا يرد ، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر ، ومجموع الأحاديث يدل على استحباب تخفيفهما كركعتي الفجر . ( وكان أحمد ) بن محمد ( بن حنبل ) رحمه اللّه تعالى يرى بالجواز وكان ( يصليهما ) عملا بما ورد فيهما ( فعاتبه الناس ) نظرا إلى ظاهر قول ابن مغفل في حديثه كراهية أن يتخذها الناس سنة ، وهو عند البخاري أي سنة لازمة يواظبون عليها ( فتركهما فقيل له في ذلك . فقال : لم أر الناس يصلونهما فتركتهما ) لذلك ( وقال : إن صلاهما الرجل في بيته ) ثم يأتي المسجد فيصلي الفرض ( أو حيث لا يراه الناس فحسن ) فعلهما . وقال الشيخ الأكبر قدس سره في كتاب الشريعة : والحقيقة هاتان الركعتان قبل المغرب سنة متروكة مغفول عنها فيها من الأجر ما لا يعلمه إلا هو ، فإن للّه بين كل أذان وإقامة صلاة كما ورد ذلك في الخبر وهي صلاة الأولياء ، وكان الصدر الأول يحافظون عليها وسبب ذلك أن النفل عبودية اختيار والفرض عبودية اضطرار ، وعبودية الاضطرار تحتاج إلى حضور تام بمعرفة ما ينبغي للسيد المعبود من الجلال والتنزيه فتقوم عبودية الاختيار لهذا المقام كالرياضة للنفس وكالعزلة بين يدي الخلوة فتتنبه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 580 | مرتضى الزبيدي