شرح
أهل الحديث ، وقال به محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة ، وأبو القاسم السيوري عن مالك ، وحكاه ابن حزم عن جمهور أهل الحديث ، وذهب آخرون إلى أنه لا يفعلها ، وهو قول مالك وأبي حنيفة وسفيان الثوري . ورواه ابن أبي شيبة عن علي ، وابن عمر ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد ، وعطاء بن أبي رباح ، وعروة بن الزبير ، ومحمد بن سيرين ، وشريح القاضي ، والزهري . وحكاه ابن المنذر ، عن النخعي ، وقتادة ، والليث ، وسعيد بن عبد العزيز . وحكاه الطحاوي ، عن الشعبي ، والزهري ، وأبي قلابة الجرمي ، وعقبة بن عامر ، وثعلبة بن أبي مالك القرظي ، ومجاهد رضي اللّه عنهم .
ثم إن القائلين بهذا القول اقتصر أكثرهم على الكراهة وبه جزم ابن قدامة في المغنى ناقلا له عن مالك والليث وأبي حنيفة وطائفة من السلف . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : الجمهور على أنه لا يفعل ، والصحيح أن الصلاة حرام إذا شرع الإمام في الخطبة ، وذهب أبو مجلز لا حق بن حميد إلى أنه مخير بين فعل التحية وتركها فقال : « إن شئت ركعت ركعتين ، وإن شئت جلست رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، فهذه أربعة مذاهب الاستحباب والكراهة والتحريم والتخيير .
الثالث : قال أبو جعفر الطحاوي : حجة أهل المقالة الأولى أنه قد يجوز أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمر سليكا بما أمر به من ذلك فقطع بذلك خطبته إرادة منه أن يعلم الناس كيف يفعلون إذا دخلوا المسجد ، ثم استأنف الخطبة . ويجوز أيضا أن يكون بنى على خطبته ، وكان ذلك قبل أن ينسخ الكلام في الصلاة ثم نسخ الكلام في الصلاة فنسخ أيضا في الخطبة ، وقد يجوز أن يكون ما أمره به من ذلك ما قاله أهل المقالة الأولى ، ويكون سنّة معمولا بها فنظرنا هل شيء يخالف ذلك ، فإذا بحر بن نصر قد حدثنا قال : حدثنا ابن وهب ، ثم ساق حديث عبد اللّه بن بسر الذي تقدم ، وفيه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اجلس فقد آذيت وآنيت » قال : أفلا ترى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمر هذا الرجل بالجلوس فلم يأمره بالصلاة ، وهذا يخالف حديث سليك .
وفي حديث أبي سعيد الذي تقدم ما يدل على أن هذا كان في حال إباحة الأفعال في الخطبة قبل أن ينهى عنها ألا تراه يقول : « فالقوا ثيابهم » وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه وإن مسّه الحصى والإمام يخطب مكروه ، وإن القول لصاحبه أنصت والإمام يخطب مكروه ، فدلّ ذلك على أن ما كان أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سليكا ، والرجل الذي أمر بالصدقة عليه كان في حال الحكم فيها في ذلك خلاف الحكم فيما بعد ، وقد تواترت الروايات عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بأن من قال لصاحبه : أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغا ، فإذا كان قول الرجل لصاحبه حينئذ أنصت لغوا كان قول الإمام قم فصل لغوا أيضا ، فثبت بذلك أن الوقت الذي كان فيه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الأمر لسليك بما أمر به كان الحكم فيه في ذلك خلاف الحكم في الوقت الذي جعل مثل ذلك لغوا .
وقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مثل ذلك .