تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
شرح
ثم ساق قصة أبي الدرداء مع أبي بن كعب وسؤاله له عن آية تلاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الخطبة أنها متى نزلت ، وسكوت أبيّ عن الجواب وقوله له بعد ذلك : ما لك من خطبتك إلا ما لغوت . وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « صدق أبي » وكذا قصة أبي ذر مع أبيّ رضي اللّه عنهما مثل ذلك ، وقد تقدم ذكرهما آنفا قال : فقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالإنصات عند الخطبة وجعل حكمها في ذلك كحكم الصلاة ، وجعل الكلام فيها لغوا ، فثبت بذلك أن الصلاة فيها مكروهة ، فإذا كان الناس منهيين عن الكلام ما دام الإمام يخطب كان كذلك الإمام منهيا عنه ما دام يخطب بغير الخطبة . ثم ساق حديث سلمان ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وعبد اللّه بن عمرو ، وأوس بن أوس رضي اللّه عنهم وفي كل من ذلك الأمر بالانصات وتقدم ذكرها قال : ففي كل من ذلك دليل أن موضع كلام الإمام ليس بموضع صلاة ، فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار ، ثم ذكر وجهه من طريق النظر وقال في آخر سياقه : وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد رحمهم اللّه تعالى ، فما نقلناه أولا أن محمد بن الحسن مع الشافعي في الاستحباب فيه نظر ، ولعله رواية عنه غير مشهورة في المذهب . فإن قلت : فما تقولون في حديث أبي قتادة وجابر : « إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس » ؟ . فالجواب : ليس في ذلك دليل على ما ذكرت إنما هذا على من دخل المسجد في حال تحل فيها الصلاة ليس على من دخله في حال لا تحل فيها الصلاة . ألا يرى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس أو عند غروبها أو في وقت من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أنه لا ينبغي له أن يصلي ، وأنه ليس ممن أمره النبي صلّى اللّه عليه وسلم أن يصلي ركعتين لدخول المسجد لأنه قد نهى عن الصلاة حينئذ ، فكذلك الذي دخل المسجد والإمام يخطب ليس له أن يصلي وليس ممن أمره النبي صلّى اللّه عليه وسلم بذلك ، وإنما يدخل في أمر رسول اللّه الذي ذكرت كل من لو كان في المسجد قبل ذلك ، فآثر أن يصلي كان ذلك له . فأما من لو كان في المسجد قبل ذلك لم يكن له أن يصلي حينئذ فليس بداخل في ذلك ، وليس له أن يصلي قياسا على ما ذكرنا من حكم الأوقات المنهي عن الصلاة فيها التي وصفنا واللّه أعلم . وأجاب عن هذا أصحاب الشافعي بجواز تحية المسجد في أوقات النهي لكونها ذات سبب فإنها لو تركت في حال لكانت هذه الحال أولى الأحوال بذلك لأنه مأمور فيه بالانصات لاستماع الخطبة ، فلما ترك لها استماع الخطبة وقطع النبي صلّى اللّه عليه وسلم لأجلها دلّ على تأكدها وأنها لا تترك في وقت من الأوقات إلا عند إقامة المكتوبة ، وأجابوا عن الأول وهو كونه منسوخا بأن سليكا لم ينقل تقدم إسلامه ولا يعرف له ذكرا إلا في هذا ، والظاهر أن إسلامه متأخر مع قبيلة غطفان ولو قدر تقدم إسلامه فالجمعة إنما صلّاها النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة اتفاقا ، وتحريم الكلام كان بمكة