وقد سمى اللّه عز وجل العلم فضلا في مواضع . قال تعالى :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[ النساء : 113 ] وقال تعالى :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا
[ سبأ : 10 ] يعني العلم فتعلم العلم في هذا اليوم وتعليمه من أفضل القربات ، والصلاة أفضل من مجالس القصاص إذ كانوا يرونه بدعة ويخرجون القصّاص من الجامع .
شرح
وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة رفعه « من صلى الجمعة فصام يومه وعاد مريضا وشهد جنازة وشهد نكاحا وجبت له الجنة » .
ومن العلماء من حمل الآية على ظاهرها ، فأخرج ابن المنذر ، عن سعيد بن جبير قال : « إذا انصرفت يوم الجمعة فأخرج إلى باب المسجد فساوم بالشيء وإن لم تشتره » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وعطاء قالا : هو إذن من اللّه إذا فرغ فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل .
قلت : فالأمر على القولين للإباحة بعد الحظر . قال القسطلاني : وقول من قال إنه للوجوب في حق من يقدر على الكسب قول شاذ ، ووهم من زعم أن الصارف للأمر عن الوجوب هنا كونه ورد بعد الحظر ، لأن ذلك يستلزم عدم الوجوب ، بل الإجماع هو الدال على أن الأمر المذكور للإباحة . قال : والذي يترجح ان في قوله : انتشروا وابتغوا إشارة إلى استدراك ما فاتكم من الذي انفضضتم إليه ، فينحل إلى قضية شرطية أي من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها زمان يحصل فيه ما يحتاج إليه من أمر دنياه ومعاشه ، فلا يقطع العبادة لأجله بل يفرغ منها ويذهب حينئذ ليحصل حاجته ، وقيل : هو في حق من لا شيء عنده ذلك اليوم فأمره بالطلب بأي صورة اتفقت لفرح عياله ذلك اليوم لأنه يوم عيد واللّه أعلم .
ثم قال صاحب القوت : ( وقد سمى اللّه تعالى العلم فضلا في مواضع ) من كتابه ( قال تعالى : وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل اللّه عليك عظيما ) [ النساء : 113 ] فسمى تعليمه ما لم يعلم فضلا ، ومنه يقال للعالم الكامل هو الفاضل . ( وقال تعالى :وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا[ سبأ : 10 ] يعني العلم ) بدليل قوله في الآية الأخرى :وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماًالآية [ 15 من سورة النمل ] ( فتعلم العلم ) ومدارسته ( في هذا اليوم ) خاصة ( و ) كذا ( تعليمه ) للناس والتذكير باللّه والدعوة إليه ( من أفضل القربات ) إلى اللّه تعالى يشترك فيه العالم والمتعلم ، وإنما كان في هذا اليوم أفضل ، لأن يوم الجمعة أفضل من سائر الأيام لأنه يوم المزيد ، وللقلوب فيه إقبال وتجديد ، فكذلك الجلوس فيه بين العلماء للتعليم أفضل من غيره من الأيام ، ولذا كانوا يستحبون افتتاح الدروس في هذا اليوم طلبا للبركة والمزيد والانتفاع .
قال صاحب القوت : ومجالس العلماء في الجامع من زين يوم الجمعة ومن تمام فضله . قال الحسن :
الدنيا ظلمة إلا مجالس العلماء ، ثم قال : وحضور مجالس العلم أفضل من الصلاة ، ( والصلاة أفضل من مجالس القصاص ) لأنهم يبطئون عن الغدو إلى الجامع في الساعة الأولى والثانية اللتين ورد الفضل فيهما . وفي القوت : والصلاة إن عدم مجلس العلم باللّه والتفقه في دين اللّه أزكى