تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
شرح
اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك قضى اللّه دينه وأغناه عن خلقه » . قال وذكر بعض العلماء أن من واظب على ذلك بعد كل فريضة إلى الجمعة فما تأتي الجمعة الأخرى إلا وقد أغناه اللّه تعالى ، وكل ذلك منوط بالتصديق وصلاح النية . وقد روى ذلك الترمذي عن علي رضي اللّه عنه أن مكاتبا جاءه فقال : عجزت عن مكاتبتي فقال : ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لو كان عليك مثل أحد لأداه اللّه عنك ؟ قال : بلى . قال : « قل اللهم اكفنى » فساق الدعاء المذكور . إشارة : هذه الأسماء في السياق ستة ، فالغني هو الذي لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفاته بل يكون منزها عن العلاقة مع الأغيار فمن تعلق ذاته أو صفات ذاته بأمر خارج من ذاته توقف عليه وجوده وكماله فهو محتاج فقير إلى الكسب ، ولا يتصور أن يكون غنيا مطلقا إلا اللّه تعالى ، فاللّه تعالى هو الغني وهو المغني أيضا ، ولكن الذي أغناه لا يتصوّر أن يكون بإغنائه غنيا مطلقا فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني ، فلا يكون غنيا بل يستغني عن غير اللّه تعالى بأن يمده اللّه تعالى بما يحتاج إليه لا بأن يقطع عنه أصل الحاجة ، والغني الحقيقي هو الذي لا حاجة له إلى أحد أصلا ، والذي يحتاج ومعه ما يحتاج إليه فهو غني بالمجاز ، وهو غاية ما يدخل في الإمكان في حق غير اللّه تعالى ، فأما فقد الحاجة فلا ، ولكن إذا لم تبق حاجة إلا للّه تعالى سمي غنيا ، ولو لم تبق له أصل الحاجة لما صح قوله تعالى :وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ[ محمد : 38 ] ولولا أنه يتصور أنه يستغني عن كل شيء سوى اللّه تعالى لما صح للّه تعالى وصف المغني ، فالعارف المستغني بالحق أغنى الأغنياء وإن كان يخزن مؤونة من كلف به ، فإن ذلك من آداب الكمل لقوّة معرفتهم بحدود اللّه ، والكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه . وأما الحميد ؛ فهو الذي يحمد على يسير الطاعة ويجازي بكثير الثواب هو الحميد بما هو حامد نفسه بنفسه إجمالا وبلسان كل حامد تفصيلا وبما هو محمود بكل ما هو مثن عليه ، فإن عواقب الثناء تعود إليه ، وكل اسم فعيل من أسماء الحق يعم اسم الفاعل والمفعول بالدلالات الوضعية فهو الحامد والمحمود ، واعلم أنه ما في العلم لفظ إلا وفيه ثناء جميل في طور الكشف يشهده أهله ، ومرجع ذلك الثناء إليه تعالى وإن كان له وجه إلى مذموم ، فلا بد أن يكون له وجه محمود عند أهل الحق وإن لم يعثر عليه السامع والقارئ ، فهو من حيث ما هو مذموم لا مستند له ولا حكم له ، لأن مستند الذم العدم فلا يجد الذم من يتعلق به فيذهب ويبقى الحمد للّه ثم الحامد في حال الحمد إما أن يقصد الحق أو غير الحق ، فإن حمد اللّه فقد حمد من هو أهله ، وإن حمد غير الحق فما يحمده إلا بما يشاهد فيه من الصفات الكمالية ونعوت المحاسن ، وتلك الصفات عطاء أو منح له من حضرة الربوبية . إما مركوزة في جبلته وإما مكتسبة في تخلفه وتخليقه ، وهي مردودة إلى الحق . فرجوع عاقبة الثناء إلى اللّه تعالى . وأما المبدىء المعيد ، فمعناه الموجد . لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقا بمثله سمي ابداء ، وإن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 444 | مرتضى الزبيدي