للإمامة ينبغي أن يحترز عن ذلك بجهده فإنه كالوفد والشفيع للقوم ، فينبغي أن يكون خير القوم . وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث فإنه لا يطلع عليه سواه ، فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح فلا ينبغي أن يستحي بل يأخذ بيد من
شرح
كراهة الصلاة خلف الفاسق ، وفي حكمه صاحب الكبائر والمبتدع الذي لم يكفر ببدعته ، والمصرّ وإنما صحت خلف هؤلاء لما رواه الشيخان أن ابن عمر كان يصلي خلف الحجّاج . قال الإمام الشافعي : وكفى به فاسقا ، وهكذا ذكر أصحابنا بأن إمامة الفاسق جائزة مع الكراهة ، وثبت أن أنس بن مالك أيضا كان يصلي خلف الحجّاج إلا أنهم خصوا بها الجمعة لا غير . ويروى عن الحسن البصري قال عمر بن عبد العزيز : لو جاءت كل أمة بخبيثاتها وجئنا بأبي محمد يعني الحجاج لغلبناهم ، ثم أنه إذا صلى خلف هؤلاء يكون محرزا لثواب الجماعة ، لكن لا ينال ثواب من يصلي خلف تقي صالح محترز عن الأوصاف الذميمة ( فإنه ) أي الإمام ( كالوفد والشفيع للقوم ) عند المستشفع إليه ، ( فينبغي أن يكون خير القوم ) فالشفيع إذا كان كاملا صاحب خير ودين وورع فإنه ممن تقبل وفادته وشفاعته .
فصل ومشايخنا أهل الكشف يجيزون إمامة الفاسق من غير كراهة ولم يفرقوا بين الفاسق المقطوع بفسقه وبين المظنون فسقه وبين المتأول وبين غيره ، وقالوا : المؤمن ليس بفاسق أصلا إذ لا يقاوم الإيمان شيء مع وجوده في محل العاصي ، فإن الفاسق عندهم من خرج عن أصله الذي خلق له وهو أن يعبد اللّه فإن العبد لا يمكن أن يخرج عن أصله الحقيقي وهو كونه عبدا ، فإنه لا بدّ أن يكون عبد اللّه أو عبدا لهواه فما برح من الرق ، فلم يبق خروجه إلا عن الإضافة التي أمر أن ينضاف إليها فتجوز إمامته لأن الموفق من عياد اللّه يأتم بهذا الفاسق فإنه يراه قائما بعبوديته في حق هواه الذي فيه شقاؤه فيتعلم منه استيفاء حق العبودية التي أمره اللّه أن يكون بها عبدا له .
فيقول : أنا أولى بهذه الصفة في حق اللّه من هذا العبد في حق هواه ، فلما رأينا أولياء اللّه كأنس وابن عمر يأتمون به وينفعهم ذلك عند اللّه ، ويكون هذا الاقتداء سببا لنجاتهم صحت إمامته من غير كراهة ، فكل من آمن باللّه وقال بتوحيد اللّه في ألوهيته فاللّه أجل أن يسمي هذا فاسقا حقيقة مطلقا وإن سمي لغة بخروجه عن أمر معين وإن قلّ ، والمعاصي لا تؤثر في الإمامة ما دام لا يسمى كافرا . وأما الفسق المظنون فبعيد عن المؤمن إساءة الظن بحيث أن يعتقد فسوق زيد بالظن لا يقع في ذلك مؤمن مرضي الإيمان عند اللّه ، وهذا كله في الأحوال الظاهرة ، وأما الباطنة فذلك إلى اللّه أو من أعلمه اللّه واللّه أعلم .
( وكذا الطهارة ظاهرا عن الحدث والخبث ) تقدم بيانهما في أول الكتاب ( فإنه لا يطلع على ذلك ) أي على اتصافه بأحدهما ( منه أحد سواه ) فإن لم يكن مأمونا فيه أفسد على الناس صلاتهم ، ( فإن تذكر في أثناء صلاته حدثا أو خرج منه ريح ) حالا ( فلا ينبغي أن